بغداد ـ «القدس العربي»: وصل رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، فجر أمس الثلاثاء، إلى العاصمة العراقية بغداد، قادماً من مصر بعد اختتام مشاركته في أعمال قمّة شرم الشيخ بشأن اتفاق السلام في قطاع غزّة، في زيارة تباينت حولها الآراء السياسية في الداخل العراقي. ففيما عبّر سياسيون عن مخاوفهم من أن تكون الزيارة بداية لانخراط العراق ضمن دول «التطبيع» مع إسرائيل، أكد آخرون مقربون من السوداني أنها تجسّد التوجه الحكومي الرامي لعودة البلاد إلى دورها الإقليمي.
وفي ساعة مبكّرة من فجر الثلاثاء، ذكر مكتب السوداني في بيان مقتضب، أن السوداني «يعود إلى بغداد بعد اختتام مشاركته في قمة شرم الشيخ بشأن غزة».
«رسالة إذعان»
يأتي ذلك في وقتٍ انتقد فيه أمين عام «كتائب الإمام علي» المنضوية في «الحشد»، شبل الزيدي، مشاركة السوداني، في قمّة شرم الشيخ في مصر، معتبراً الأمر «مغازلة لمحور التطبيع».
وقال في «تدوينة» له، إن «الحضور في قمة المطبعين في شرم الشيخ رسالة مغايرة للتوجه العام للشعب العراقي، ومخالفة لقرار التجريم، ومغازلة غير مقبولة لمحور التطبيع، ورسالة إذعان وهرولة نحو المعسكر بلا مبرر ولا مصلحة وطنية، (لا دفع ضرر ولا جلب منفعة) بل هي رسالة تسويق شخصي على حساب الثوابت الوطنية»، على حدّ وصفه.
في حين أفادت النائبة المقربة من رئيس الحكومة، عالية نصيّف، بأن السوداني كان على دراية بمحاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لحضور القمّة، وأنه كان قد قرر مسبقاً الانسحاب في حال تحقق ذلك.
ووفق «تدوينة» لنصيف فإن «السوداني أعلن مسبقاً بأنه سينسحب فوراً مِن قمة شرم الشيخ في حال حضور نتنياهو، لكون السوداني كان على دراية بمحاولات ترامب الخجولة وراء الكواليس لدعوة رئيس الكيان الصهيوني، علماً بأن الجانب المصري لم يوجّه لنتنياهو أي دعوة للمشاركة في القمة».
وأضاف أن «موقف السوداني الوطني المشرّف يمثل موقف الشعب العراقي الرافض لجرائم السفاح نتنياهو»، مستدركا بالقول: «لن نزايد على مواقفنا الوطنية تجاه فلسطين».
ووسط ذلك، اعتبر رجل الدين الشيعي العراقي، جواد الخالصي، أن مؤتمر القمّة ذكّره باتفاقية «كامب ديفيد»، معرباً في الوقت عينه عن أمله بأن تسهم القمّة في تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني وإزالة مخلّفات الاستعمار.
وذكر في «تدوينة» له «شهدت شرم الشيخ مسرحيّةً حزينةً ساخرةً ذكّرتنا بمسرحيَةٍ كامب ديفيد منذ ما يقرب من نصف قرن، والتي لم تخلِّفْ إلَا الكوارثَ والحروبَ وبمئاتِ الآلاف من الضحايا، حتى وصلنا إلى مجازرِ غرَةَ التي شاهدها العالم كلُّه عبر وسائلِ الإعلام، وبالبثِّ القاتل المباشر».
ولفت إلى أنه «في الوقتِ الذي يُعقَدُ فيه مثلُ هذا المؤتمر، لا بدَ من الإشادةِ بدور المقاومةِ وثباتِ شعبها في أَرضِهم، وبالانتصارِ الذي أجبرَ العدوَ على اللجوءِ إلى الخداعِ والتهرّبِ عبرَ عقدٍ مثلِ هذه المؤتمرات، في محاولةٍ بائسةٍ لتلميعٍ صورتِه وتثبيت واقع مرفوض من الشعوب».
البعض اعتبرها تعزيزاً لدور البلاد الإقليمي… وآخرون رأوا فيها «مغازلة لمحور التطبيع»
رجل الدين الشيعي تساءل بالقول: «هل ستحقَّق مسرحيَةُ شرم الشيخ ما عجزت المسرحيّات السابقةُ عن تحقيقِه؟ وهل ستكون اتفاقات إبراهام، التي جدَدَ الرئيس الأمريكيَ الدعوة إلى الالتزامِ بها في شرم الشيخ، قادرةً على إحداث تغيير في علاقات (السلام) المُدَعى في منطقتِنَا؟ أم أنّ الحلَ سيكون في تحقيقِ العدالةِ للشعب الفلسطيني ولباقي شعوب أمَتِنا، وإزالةِ مُخلَفاتِ الاستعمارِ وإفرازاتِ الصهيونيَةِ من تقسيمِ وإذلالِ ونهبٍ للثرواتِ وإضعاف الشعوب ومحاصرتها، مع جز العرب وغيرهم إلى التطبيع مع العدو الصهيوني الغادر؟».
وختم: «ستكونُ الأيَام القادمة حاملةً للإجاباتِ النهائيَةِ التي ستكونُ حتمًا في صالح الإنسانيّة وشعوب أمتنا».
أما الموقف الحكومي الرسمي فجاء على لسان المتحدث باسمها، باسم العوادي، الذي أكد أن مشاركة السوداني في قمة شرم الشيخ للسلام بشأن غزة، تأتي في إطار التأكيد على أهمية الدور الإقليمي للعراق، والموقف الثابت تجاه القضية الفلسطينية.
وقال للمحطّة الحكومية إن «حضور عدد كبير من قادة الدول في هذه القمة ما كان ليحدث لولا الأهمية البالغة للقضية الفلسطينية، وكذلك إدراك المجتمع الدولي المتزايد بأهمية الدور العراقي في المنطقة».
وأضاف أنه «لا يمكن للعراق أن يطّلع على حقيقة ما يُطرح من اتفاقات ومبادرات بشأن غزة والمنطقة، دون الحضور الفعلي لرئيس الوزراء، ما يتيح له الاطلاع المباشر والمشاركة في صياغة المواقف».
وأضاف أن «العراق ذهب رسميا إلى قمة شرم الشيخ لتأكيد موقفه الواضح بضرورة وقف عمليات قتل المدنيين في الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمتها فلسطين، ورفع الحصار عن غزة، ووقف التهجير القسري، والبدء بإعادة الإعمار».
وأوضح أن «مشاركة رئيس الوزراء في القمة هو للتأكيد على موقف العراق القاطع والحاسم بأن حق الشعب الفلسطيني في العيش على أرضه بحرية وبكرامة»، مؤكدا ان «هذه القضية غير قابلة للمساومة، ويجب منح حق الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير».
كما أشار إلى أن «الحكومة العراقية تؤمن بأهمية الحوار والتفاهمات كسبيل لإيجاد توازن حقيقي في المنطقة، وتحذر من أن عدم الالتزام بهذه المسارات سيعرّض الاتفاقات القائمة للانهيار».
وأوضح العوادي أن «رئيس الوزراء يسعى من خلال مشاركته إلى لقاء أكبر عدد ممكن من القادة والمسؤولين لتبادل وجهات النظر، وشرح موقف العراق الثابت، إضافة إلى دعوة الزعماء لزيارة بغداد وتعزيز التعاون الثنائي».
وبين أن «هناك نظرة دولية واضحة إلى عودة العراق إلى دوره الإقليمي المؤثر، وتوازن حضوره في القضايا المحورية، وهو ما تؤكده حتى الولايات المتحدة التي ترى أن العراق يشهد تنمية وإعمارًا، وأصبح محط أنظار المنطقة، وموقفه من القضية الفلسطينية واضحًا وثابتًا».
ومساء الإثنين/ الثلاثاء، كان السوداني قد شدد على ضرورة إنهاء معاناة الفلسطينيين في غزّة، والعمل على إدامة وقف الحرب ضدّ المدنيين.
جاء ذلك خلال لقائه قادة 11 دولة على هامش مشاركته في القمة.
وذكر مكتب السوداني في بيان، أن الأخير «أجرى سلسلة لقاءات مع عدد من الملوك، والرؤساء، ورؤساء الحكومات، وكذلك لقاؤه الأمينين العامين للأمم المتحدة والجامعة العربية، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وذلك على هامش مشاركته في مؤتمر شرم الشيخ بجمهورية مصر العربية، بشأن الأوضاع في غزّة».
وأضاف البيان: «التقى رئيس مجلس الوزراء ملكي الأردن والبحرين، ورؤساء فلسطين، وأذربيجان، وقبرص، والمستشار الألماني، ورؤساء حكومات بريطانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، واليونان، وأرمينيا».
المنفعة المتبادلة
ووفق البيان فإن «السوداني بحث خلال اللقاءات العلاقات المشتركة، وسبل العمل على تطويرها في مختلف المجالات، وأهمية تنمية آفاق التعاون المشترك، بالشكل الذي يجلب المنفعة المتبادلة للشعوب الشقيقة والصديقة».
وتناولت لقاءات السوداني هذه، حسب البيان، «الخطوات المتخذة لإنهاء معاناة الفلسطينيين في غزّة، وضرورة العمل على إدامة وقف الحرب ضدّ المدنيين، والتأكيد على وجوب أن تضطلع الدول الكبرى والمنظمات والمؤسسات العربية والدولية بدورها في إعادة إعمار غزّة، وتوفير المتطلبات الأساسية للمدنيين الفلسطينيين».
وأكد السوداني في أثناء اللقاءات على ضرورة «توجه الجهد الدولي لخفض التوتر والتصعيد في المنطقة ومختلف أنحاء العالم»، داعياً إلى أهمية «تعزيز الحوار وإيجاد حلول تستند إلى القوانين الدولية لمعالجة مخاوف الجميع، بما فيها الخلافات القائمة بين إيران والدول الغربية حول الملف النووي، وغيره من الملفات».
… ويتصدر رؤساء الوزراء بمقاضاة أصحاب الرأي
أعلن «مركز النخيل للحقوق والحريات الصحافية»، أمس الثلاثاء، أن رئيس الوزراء العراقي الحالي محمد شياع السوداني يتصدّر رؤساء الوزراء بمقاضاة أصحاب الرأي، مشيراً إلى تقدّمه بالدعاوى على رئيس الوزراء الأسبق زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي بخمسة أضعاف.
وذكر المركز الحقوقي في بيان صحافي أن « السوداني أقام 11 دعوى قضائية ضد 10 صحافيين وأصحاب رأي خلال 3 سنوات من حكمه»، مبيناً أن «نوري المالكي يأتي بالمرتبة الثانية بـ6 دعاوى قضائية ضد صحافيين وأصحاب رأي خلال 8 سنوات من حكمه».
وحسب المركز فإنه «لم تشهد حكومات حيدر العبادي، عادل عبد المهدي، مصطفى الكاظمي دعاوى قضائية بصفتهم الشخصية ضد أصحاب الرأي»، مبيناً أن «معدل مقاضاة السوداني يبلغ 5 أضعاف معدل المالكي، فمعدل دعاوى السوداني يبلغ 3.6 دعوى سنوياً، والمالكي 0.7 دعوى سنوياً».
وأوضح أن «جردة الحساب هذه توثق دعاوى رؤساء الوزراء بصفتهم الشخصية، بغض النظر عن دعاوى وانتهاكات مؤسسات الدولة والمسؤولين الآخرين بحق الصحافة خلال فترة الحكومات السابقة والحالية».