ملف شروط الترشح للانتخابات الرئاسية هو النقطة الأبرز في الخلاف، ويهدد بإعادة المسار السياسي إلى المربع الأول، خاصة مع ظهور تحفظات بعض الأطراف الليبية على الخريطة الأممية برمتها.
طرابلس ـ «القدس العربي»: تعيد ليبيا توجيه الأنظار مجددًا إلى العلاقة المعقدة والمتوترة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، فبينما يتم الإعلان عن خطوة توافقية بشأن المناصب السيادية، تظل الخلافات الجوهرية قائمة ومهددة بتقويض أي تقدم.
هذه التباينات، خاصة حول شروط الترشح للرئاسة وخطوات خريطة الطريق الأممية، تُبقي الأزمة السياسية في حالة من عدم اليقين، وتثير المخاوف من أن يعود المسار إلى «نقطة البداية» بفعل تنازع الصلاحيات وانعدام الثقة المستمر بين المؤسستين الرئيسيتين في البلاد، وبينما تتمسك البعثة الأممية بخطتها لتنفيذ انتخابات وطنية، يواجه هذا المسعى مقاومة وتصريحات متضاربة تنذر باستمرار الجمود السياسي.
تبدأ القصة الأخيرة للمسار السياسي الليبي بلقاء تمخض عن اتفاق بين ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في العاصمة طرابلس، وذلك للبدء في استكمال ملف تسمية شاغلي المناصب السيادية، وهي خطوات جاءت تتويجاً لسلسلة من المشاورات الثنائية المكثفة.
وقد حضر التوقيع على الوثيقة، التي اعتمدها رئيسا المجلسين، عقيلة صالح ومحمد تكالة، الممثلة الخاصة للأمم المتحدة في ليبيا، في تأكيد على الدور الأممي المراقب والمحفز للعملية.
وينص الاتفاق على أن يختار كل من المجلسين مرشحيه للمناصب وفق معايير محددة، ليقوم مجلس النواب باعتماد الأسماء النهائية، مع منح الأولوية العاجلة لتشكيل مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، ثم الشروع بعد ذلك في اختيار شاغلي بقية المناصب كالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهيئة الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة.
ويُعد هذا الاتفاق بمثابة نقطة انطلاق نحو توحيد المؤسسات المعنية، كما أنه يتماشى مع متطلبات خريطة الطريق للحل السياسي في البلاد، والتي كانت قد أعلنتها بعثة الأمم المتحدة في 21 آب/أغسطس الماضي.
لم يأتِ هذا التوافق الجزئي بدون خلفية من الخلافات العميقة والمستمرة بين الجسمين التشريعيين، والتي تطفو على السطح مجددًا مع كل محاولة للتقدم نحو تسوية.
ويظل ملف شروط الترشح للانتخابات الرئاسية هو النقطة الأبرز في هذا التباين، ويهدد بإعادة المسار السياسي إلى المربع الأول، خاصة مع ظهور تحفظات بعض الأطراف الليبية على الخريطة الأممية برمتها.
وقد أعلن المجلس الأعلى للدولة مؤخرًا عن اعتماده الرسمي لخريطة الطريق الأممية، في حين لم يعلن مجلس النواب موقفه الرسمي بعد.
وفي هذا الصدد، من المرتقب أن يرسل مجلس الدولة تقرير لجنته المكلفة بتقييم الخريطة إلى البعثة ثم إلى مجلس النواب، وهو تقرير يتضمن توصيات تدعو لإعادة التأكيد على استبعاد مزدوجي الجنسية والشخصيات العسكرية والمطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية من الترشح للرئاسة، ويوصي أيضاً بفصل في طرابلس ويفضل نتائج الانتخابات البرلمانية عن الرئاسية وإلغاء التزامن في إجرائهما، وهي تعديلات تضع اسمي المشير خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي تحت الأضواء من جديد وتؤجج الخلافات القائمة.
ويتجلى استمرار التباين مع مجلس النواب أيضاً حول آلية تسمية مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتسميته نفسها، في ظل استمرار التعثر المؤسساتي.
كما امتدت الخلافات لتشمل القوانين الانتخابية نفسها؛ إذ يرى عضو مجلس النواب إبراهيم الزغيد أن مجلس الدولة يمثل «العقبة الأساسية» أمام إنهاء الأزمة، ويتهمه بالطعن في كل قانون يصدر عن النواب وتمديد أزمة ليبيا بدعم من رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة.
في المقابل، يرى عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، علي التكبالي، أن محاولات أعضاء مجلس الدولة لتعديل القوانين فيما يخص ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية هي محاولات إقصائية تستهدف أسماء بعينها، مؤكداً أن الالتزام بالديمقراطية يقتضي أن يكون صندوق الاقتراع هو الفيصل.
كما حذر عضو مجلس النواب عمار الأبلق من أن تجدد الخلافات حول شروط الترشح للرئاسة يعني «العودة إلى نقطة البداية»، ودعا إلى تقديم التنازلات لإنهاء الانقسام.
ولم يقتصر الخلاف على ذلك، بل برزت تصريحات داخل مجلس النواب تعبر عن الاعتراض على تجزئة ملف المناصب السيادية. فقد أعلن مصباح دومة، النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، اعتراضه على هذه التجزئة، مطالباً بإجراء تغيير جذري وشامل في مؤسسات الدولة العليا وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، معتبراً إياها الطريق الوحيد لإنهاء الأزمة.
وأكد دومة أن تغيير المناصب السيادية والسلطة التنفيذية يجب أن يتم ضمن حزمة واحدة تُقدم من مجلس الدولة إلى مجلس النواب، وأن اتفاق بوزنيقة قد جرى خرقه بتعيينات مخالفة سابقة، وأن تسمية رؤساء المناصب السيادية هي من صلاحيات مجلس النواب بالتشاور مع مجلس الدولة، بينما يختص النواب وحدهم بتعيين الوكلاء والأعضاء.
هذه التصريحات تسلط الضوء على عمق الأزمة وغياب الثقة المتبادل بين الطرفين، والتي حولت العلاقة بينهما من «تنسيق مؤسساتي» إلى «علاقة تنازع صلاحيات وانعدام ثقة» بحسب وصف عضو مجلس النواب عبدالمنعم العرفي.
ومما زاد من حدة التوتر، امتداد الخلاف ليشمل حكم المحكمة الدستورية العليا في بنغازي، الذي قضى بتحصين قرارات مجلس النواب المتعلقة بتعيينات اللواء المتقاعد خليفة حفتر قائداً عاماً للجيش وترقيات الضباط، وهو ما أثار قلق مجلس الدولة البالغ، حيث أكد في بيانه أن هذه المحكمة الدستورية المستحدثة أُنشئت بقانون يفتقر للتوافق السياسي.
وتزامنًا مع هذه التطورات، طرح اللواء المتقاعد خليفة حفتر بديلاً لخريطة الطريق الأممية، داعياً الليبيين إلى رسم خريطة طريق محلية تنبع من الداخل وترتكز على شرعية وطنية، ورافضاً أي حلول تُفرض من الخارج، مشدداً على أنه «لا يمكن لخريطة نُسجت خيوطها وراء الحدود أن تبني دولة حرة كاملة السيادة».
وقد جاءت هذه الكلمة قبل أيام قليلة من الإحاطة الجديدة للمبعوثة الأممية أمام مجلس الأمن، ما قد يضعف من فرص تمرير خريطة التسوية الأممية.
وعلى الرغم من هذه الخلافات والتصريحات المتضاربة، فإن البعثة الأممية تتمسك بخطتها التي طرحتها الممثلة الخاصة للأمين العام رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه، والتي تقوم على ثلاث ركائز رئيسية: إعداد إطار انتخابي متماسك، وتشكيل حكومة جديدة موحدة، وآلية للحوار لمعالجة القضايا الخلافية، وتستهدف إعادة إطلاق العملية السياسية المتعثرة.
وتعمل البعثة على تأكيد أهمية المضي قُدماً بخريطة الطريق، حيث شددت نائبة رئيسة البعثة ستيفاني خوري على ضرورة توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات الوطنية، مشيرة إلى «تقدم محدود حتى الآن في استكمال الخطوة الأولى نحو الانتخابات».
وفي المقابل، ورغم التوافق على استكمال ملف المناصب السيادية، لا يزال الخلاف كامناً حول الآلية المعتمدة لتسمية مجلس إدارة المفوضية، حيث تؤكد عضو مجلس الدولة أمينة المحجوب أن المجلس يسعى لتذليل الصعاب لتسمية مجلس الإدارة، بينما «يصر مجلس النواب على الالتزام باتفاق بوزنيقة».
وفي ضوء هذه المعطيات، ومع مرور أكثر من شهر ونصف على طرح الخريطة الأممية، لم تحدث خطوات حقيقية ملموسة تجاه أي ركيزة من ركائزها، مما يثير تساؤلات حول تعثر التحرك الأممي.
ويؤكد المترشح الرئاسي فضيل الأمين وجود رغبة دولية لحلحلة الملف الليبي، مشدداً على أن «التغيير قادم» ولن يُسمح بعرقلة المسار السياسي والانتخابات، وأن شرعية مجلسي النواب والدولة تجددت بناءً على الاتفاق السياسي الذي يعتبره مع الإعلان الدستوري مرجعيتين دستوريتين، يحفظان للمجلسين دورهما لحين الوصول إلى مرحلة الانتخابات.
وفيما تستعد بعثة الأمم المتحدة لإحاطة جديدة أمام مجلس الأمن حول الجمود السياسي، فإن الأمل يبقى معقوداً على الاتفاق المبدئي بشأن المناصب السيادية، في حين يشير عضو مجلس النواب عدنان الشعاب إلى أن البرلمان ماضٍ في تغيير شاغلي هذه المناصب، بدءاً برئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومن المقرر عقد جلسة لاختيار ثلاثة مرشحين يُحالون إلى مجلس الدولة لاختيار مرشح واحد يعود لاعتماده من قبل البرلمان، على أن يتلو ذلك مناقشة ملفي هيئة الرقابة الإدارية وهيئة مكافحة الفساد ثم منصب رئيس ديوان المحاسبة، كخطوات ملموسة لتوحيد المؤسسات.
ورغم ذلك، تبقى مسألة شروط الترشح للرئاسة والخلاف حولها السيف المسلط على رقبة المسار السياسي الليبي برمته.