سيكون المشهد في الأيام المقبلة احتفالياً بامتياز في قطاع غزة وتل أبيب وشرم الشيخ. وسيكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في صدارة الحدث والنجم الساطع فيه، رغم خسارته جائزة نوبل للسلام التي كان يرغب في الحصول عليها بوصفه «صانع السلام». الحدث عملياً هو إنجاز المرحلة الأولى من خطته بشأن إنهاء الحرب في غزة. وهي المرحلة ذات الأهمية القصوى له كونها تتعلق بإطلاق الرهائن الإسرائيليين لدى حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى في القطاع، الأحياء والأموات. سيُوصف من قبل أُسر الرهائن الإسرائيليين بالرجل الذي وفى بتعهده؛ الرجل الذي أخرج أبناءهم من الأسر بعد سنتين على احتجازهم في عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. سيحمل خطابه في الكنيست تأكيداً أنه الرجل الذي يحمي إسرائيل ويحفظ مصالحها ويفك عزلتها عن العالم، بفعل حرب غزة، التي شكَّلت أطول الحروب الإسرائيلية وأكثرها دموية في حق الغزيين. سيؤكد حرصه على أمنها القومي وعلى مكانتها المستقبلية في الشرق الأوسط الجديد، وسيفتح الباب واسعاً أمام استكمال الاتفاقات الإبراهيمية التي ستنهي الصراع العربي – الإسرائيلي الذي آن الأوان لوضع نهاية له.
وفي شرم الشيخ، سيشارك في حفل توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في مرحلته الأولى، مع الشركاء الضامنين وهم: مصر، وقطر، وتركيا. وسيلتقي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للمرة الأولى منذ عودته إلى البيت الأبيض، وسيعقد قمة موسَّعة تشمل قادة عربًا ودوليين لبحث تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة، والتي تنصُّ على إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين أحياءً أو أمواتاً مقابل الإفراج عن معتقلين فلسطينيين (250 سجيناً من المحكوم عليهم بالمؤبد، و1700 من سكان غزة اعتقلوا بعد 7 أكتوبر، وتسليم 15 رفاة لغزيين مقابل كل رفاة لرهينة إسرائيلية، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خط متفق عليه للتحضير لإطلاق سراح الرهائن، وإدخال المساعدات إلى القطاع). هذه البنود تُشكّل الحد الأدنى المضمون تحقيقه، والتي لم يكن بمقدور بنيامين نتنياهو وحماس رفضها في ظل ضغط ترامب على الجانبين. ما عاد الكلام المهم يتعلق بما هو حاصل في المرحلة الأولى المرتبط بإطلاق سراح الرهائن، بل بما بعدها. ما بعد الاثنين أو الثلاثاء، سيكون هناك كلام آخر، أو التحدي الحقيقي أمام ترجمة خطة ترامب إلى وقائع ملموسة. فالخطة هي عملياً «اتفاق إطار»، وكل بند يحتاج إلى محادثات ومفاوضات لترجمته إلى قرارات وخطوات تنفيذية.
في صيغتها النهائية، تبدو الخطة فضفاضة، فيها أفخاخ يمكن للطرفين النفاذ منها للتملص من التنفيذ، سواء بالنسبة إلى إسرائيل وهدفها في استكمال تدمير حماس والسيطرة على ما تبقى من مدينة غزة، أو بالنسبة إلى حماس واستحقاق نزع سلاحها بالكامل.
تربط الخطة بين وقف الحرب فوراً بموافقة الطرفين – إسرائيل وحماس – عليها. وتدرج انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الخط المتفق عليه في إطار التحضير لإطلاق الرهائن. وتُشير إلى تعليق كلّ العمليات العسكرية، بما في ذلك القصف الجوّي والمدفعي، وإلى بقاء خطوط القتال مجمّدة إلى أن يتمّ استيفاء الشروط للانسحاب الكامل على مراحل. وإتمام استفتاء الشروط للانسحاب الإسرائيلي الكامل على مراحل كفيل بأن يحمل في طياته عوامل تفجير الاتفاق في أي لحظة من الجانبين.
في قراءة متخصصين بالشأن الإسرائيلي، أن ترامب أجبر نتنياهو على إنهاء الحرب في توقيتها، ذلك أن الأخير كان يسعى إلى إطالة أمدها حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية، وربما إلى ما بعد ذلك، لتوظيفها سياسياً في تعزيز موقعه الداخلي. إنما لا يمكن القول إنه أجبره على شروطها، فهو قادر على تسويقها للرأي العام الإسرائيلي، باعتبارها لا تمسّ جوهر مطالبه الأمنية، بل يمكن تقديمها داخلياً على أنها تنازلات تكتيكية مقابل مكاسب استراتيجية، الأمر الذي يُتيح له الحفاظ على صورته كرجل أمن وحرب في نظر ناخبيه.
فأي مصير ينتظر الخطة – المقترح في بنودها الأخرى؟
يقول عضو الحزب الجمهوري مدير التحالف الأمريكي الشرق أوسطي طوم حرب إن هاجس ترامب الأساسي في هذه المرحلة واضح ومباشر، وهو تحقيق بنود المرحلة الأولى المتمثّلة بإطلاق سراح الرهائن. أما بقية البنود فمرشّحة لأن تُنجز تدريجياً عبر خطوات متسلسلة ومدروسة. ترامب مدرك تمام الإدراك للدور الذي تلعبه كلٌّ من قطر وتركيا كـمظلة سياسية لحماس، ولذلك اعتمد عليهما كقنوات مفاوضة ومعالجة بعد التوصّل إلى وقف النار الأولي. هو وقَّع اتفاقاً دفاعياً مع قطر، وأبرم اتفاقات تجارية وعسكرية مع تركيا، وهو متمرِّس في الصفقات والتفاوض، ويعلم أن مفاتيح التحكّم بالمجموعات الإسلامية المتشددة هي عبر حواضنها الإقليمية. لذا صيغت خطته حول ثلاثة محاور أساسية: الإفراج عن الرهائن، وإخراج حماس من إدارة غزة، وتسليم الأسلحة، وهي مطالب ظلّت مدوّنة في مواقف إسرائيل منذ هجوم 7 أكتوبر 2023. وبعد عامين من الحرب، تكون هذه البنود قد عادت لتظهر كخريطة طريق متفق عليها بين واشنطن وتل أبيب، ما يدحض الفكرة القائلة بوجود تفاوت كبير في القراءة بين ترامب ونتنياهو.
أما آلية التنفيذ فتمتدّ إلى ما هو أبعد من مجرد نصّ ورقيّ؛ اليوم ثمة ضمانات قطريّة ـ مصريّة – تركية تستندُ إليها واشنطن لضمان التزام حماس بخطة ترامب. وبموجب هذه الرؤية، سيتم خلق قوة عربية – إسلامية رادعة بإدارة أمريكية، مهمتها تَـتَــبُّع تنفيذ بنود نزع السلاح وتثبيت الأمن عن بعد. وهذا يُشبه إلى حد كبير «الآلية ـ الميكانزيم» التي تُشرف على وقف إطلاق النار في لبنان برئاسة جنرال أمريكي. في هذا السيناريو، فأي انسحاب أو تراجع من جانب حماس لن تفرضه إسرائيل وحدها، بل ستكون قوات الردع العربية، الموزعة والمرعية من قبل واشنطن، هي الطرف التنفيذي الأساسي داخل غزة، ما يجعل المواجهة محصورة بين حماس وهذه القوات الأمنية وعناصر الأمن المحلية المكلّفة بتطبيق الخطة، لا بين إسرائيل و«القطاع» مباشرة.
وربما ذلك ما يجعل أصوات فلسطينية ترتفع لتحذر أن الفخ الحقيقي لا يكمن في منظومات السلاح الهجومي الذتي تعرّضت بناها التحتية وقدراتها التشغيلية لتلف بالغ أفقدها فاعليتها، بل في السلاح الخفيف المنتشر على نطاق واسع داخل قطاع غزة بين الميليشيات التي قاتلت وتعاونت مع إسرائيل وبين الفصائل والمجموعات العشائرية. يفضي وجود هذا السلاح في «كل بيت» إلى هشاشة تهدّد الاستقرار الداخلي، إذ قد يؤدي إلى اشتباكات ونزاعات بين الفصائل على موارد القوة. بحيث أن الملف يبقى نقطة حسّاسة في أي تسوية مستقبلية، فالتحدّي لا يقتصرعلى إبطال قدرات الصواريخ فحسب، بل على كيفية إدارة وبنْية السلاح الخفيف داخل المجتمع الفلسطيني بعد أي هدنة أو اتفاق.
ولعل السؤال المحوري الذي برز في الساعات الماضية القليلة بعد خسارة ترامب جائزة نوبل يكمن في ما إذا كانت هذه النكسة ستؤثر على مستقبل خطته لغزة ما بعد المرحلة الأولى؟ ثمة من يرى أن اندفاعة ترامب والضغوط التي كان يمارسها في سباق مع الوقت كان هدفها الحصول على الجائزة. أما وقد انتهى هذا استحقاق الجائزة، وستنجز المرحلة الأولى من الاتفاق وفق ما رسمه وسيحصد نتائجه معنوياً وسياسياً وشعبياً، فإنه قد لا يكون متصلباً في البنود الأخرى ما يجعل تنفيذها رخواً ومايعاً، ولاسيما إذا نجح نتنياهو في استخدام الأسلوب المتمرس به في المراوغة.
ولكن في المقابل، يرى المقربون من ترامب أن عدم فوزه بجائزة نوبل للسلام لن يترك تأثيراً يُذكر على مسار خطته بشأن غزة في المرحلة المقبلة. فترامب، يعتبر نفسه أكبر من الجائزة نفسها، رغم ما يُعرف عنه من نزعة غرور شخصي وشعور عميق بأنه يستحق هذا التكريم، خصوصاً بعد «اتفاقات إبراهام» التي رعاها عام 2020، والتي كان يفترض ـ بنظره ـ أن تمنحه الجائزة حينها أو في العام التالي على الأقل. واليوم، ومع سعيه لتوسيع رقعة التسويات الإقليمية والدولية بما يشمل سبعة مسارات سلام تحدث عنها وآخرها الملف الغزّي، يبدو أن عدم حصوله على الجائزة سيكون عاملاً محفزاً لا مثبطاً. فالرجل عادة ما يزداد إصراراً كلما واجه تحدياً أو رفضاً، ويسعى إلى إثبات نفسه عبر النتائج الملموسة على الأرض، لا عبر اعتراف المؤسسات الدولية التي يصفها بـ«المسيّسة»، مثل لجنة نوبل. بالتالي، يُتوقّع أن يدفعه هذا الإخفاق الرمزي إلى تعزيز اندفاعه نحو تحقيق ما يراه «سلاماً واقعياً» في الشرق الأوسط، لإثبات أنه صانع الإنجازات بغضّ النظر عن الجوائز.