بيروت – «القدس العربي»: «بين حنين المخرجة للستينيات و«بوفيه السعادة مقفول» القنبلة النووية ضرورة بحب وشفافية تناولت المخرجة الكويتية فرح الهاشم مدينة القاهرة، حيث عاشت ردحاً من طفولتها. رسمت بورتيريه عن حاضرها، فيما تحنّ ذاكرتها المقروءة والمسموعة الى المدينة في ستينيات القرن الماضي. للمدن رائحتها الخاصة، ورائحة القاهرة من الصعب أن تخبو بمرور الزمن، بحسب الهاشم وأغلب زوّارها.
صوّرت فرح الهاشم فيلماً وثائقياً حمل عنوان «هرتلة في القاهرة»، تناول المدينة الاكثر عراقة في عالمنا العربي من زوايا ووجهات نظر متعددة، إنما كانت الغلبة لوجهات نظر المثقفين. مع مرور سريع في محطة قصيرة حكت عن الناس الغلابى، وإذ بها تحفر وتعلّم. سألت المخرجة أحدهم: «من لديه راتب 6 آلاف جنيه بيعيش إزاي؟» بجواب بسيط انتهت حياة الفئات المماثلة: «ما بعشش». هذا بالطبع يضاف إلى جملة اخرى تحوّلت إلى ما يشبه النعي للقاهرة «بوفيه السعادة مقفول». يبدو أن المدينة تبحث عن فرح في سراب؟ وفي هذا الصدد تقول فرح الهاشم «جملة اصبحت أيقونة رمزية تختصر وجع مدينة تبحث عن فرحها الضائع».
في سياق التجربة الحميمة التي جسدتها المخرجة في فيلم «هرتلة في القاهرة» رسخت في ذهني محطات لشخصيات ظهرت في الشريط. منها تلك التي تناولت شاباً فناناً والده مصري، ووالدته لبنانية من بعلبك، وجدته سورية، وولد في السعودية. وللنسب صلات مضافة غابت عني. لهكذا منتج انساني ينعم بكل هذا المزيج الحضاري الذي يثمر إنفتاح بصرٍ وبصيرة، أن يستخلص من تجاربة الحية «كافة الشعوب العربية متشابهة تختلف في لغتها المحكية». وفي محطة أخرى من ظهوره في الفيلم شكى ضمناً من ضيق الأفق لدى الأنظمة العربية. وجميعها بالمناسبة لا تعترف بحق المرأة الأم في منح جنسيتها لأبنائها. فهو ليس لبنانياً في لبنان، ولا بدّ من التأسيس حيث يمكن لجذوره الإمتداد دون عوائق.
أن يُصرّح فناناً بصرياً في عمر الشباب «نحتاج طموح»، ليس بأمر مارق في جملة مفيدة. بل فيه ما فيه من خزين الإحباط من سلطات تُكبلها حواجز كثيرة ولا يعنيها المستقبل.
في القاهرة وعنها من الطبيعي أن يكون للصحافي رأي. بما معناه كان تحليله: نكبتنا وكارثتنا بدأت مع دخول صدّام الكويت بقرار اميركي. ومن ثم كان ما كان في العراق الذي احتله الأمريكيون، ومجمل الدول العربية في حال يُرثى له. والحل برأيه أن تمتلك الدول العربية قنبلة نووية. فالقوة وحدها تحكم العالم.
إلى ضيوف «هرتلة في القاهرة» حضرت المخرجة فرح الهاشم صوتاً سائلاً او مبدياً للراي، أو صورة حالمة. حنينها للماضي الذي قرأت عنه أو شاهدته في السينما المصرية حملها إلى مقهى «جروبي» الشهير في نهاية الخمسينيات. وكذلك إلى لقاء افتراض مع الموسيقار فريد الأطرش، الذي خصّها بأغنيته الجميلة «وانت جنبي» حتى غالبها الخجل.
«هرتلة في القاهرة» بدأ بنغم شعبي للغاية. احدهم لم نر وجهه، يسير في مقهى ويضرب ايقاعاً دون نشاز بشوكة على كوب. الختام قفلة وموسيقى راقصة يمكننا تخيلها.
إنها القاهرة العبثية والفوضوية بتعبير للمخرجة. هي التي تعاملت مع المدينة عبر شريطها بخصوصية وود، منحت مساحة ملحوظة للجانب الذاتي. وكان ظهورها المتقطع لافتاً، برومانسيته، والحنين الكامن للماضي.
فرح الهاشم في «هرتلة في القاهرة» دخلت عالم مدينة لا تنام في عالمنا العربي. تحادثت عن القاهرة مع ناس اعطوا صوراً منوعة عن المدينة. الثقافة والفكر والفن واهلها هم من رسموا الحيز الأوسع للمدينة. الفيلم من إنتاج «أفلام فيوليت سكاي» ومتوافر على يوتيوب.