آفي أشكنازي
سيُذكر الثالث عشر من تشرين الأول عام 2025 كيومٍ تاريخي في سجلّ دولة إسرائيل، لعدة أسباب. بعضها مؤثر وإيجابي، لكن أحدها سيكون أقل بكثير من ذلك.
إنه اليوم الذي انتهت فيه حرب “السيوف الحديدية”، حرب استمرت أكثر مما ينبغي، وكان ثمنها فادحًا إلى حد لا يُحتمل: 1958 قتيلًا بين مدنيين وجنود، آلاف الجرحى، و251 مخطوفًا.
بعد عامين، عاد إلى إسرائيل 20 مخطوفًا أحياء وأربعة قتلى آخرين، بعد عامين وأسبوع من الأسر. ومع ذلك، لا يزال 24 مخطوفًا قتيلًا في قبضة حماس حتى الآن.
سبب آخر يدعو للابتهاج، وهو زيارة ترامب إلى الكنيست وإلقاؤه خطابًا أمام الشعب في إسرائيل. وباتفاق الجميع، كان الحدث مؤثرًا، لكنه أيضًا كان الحدث الذي فقدت فيه دولة إسرائيل طابعها الديمقراطي، وتحولت في لحظة إلى دولة ذات نظام ملكي.
التصريحات التي أدلى بها ترامب على متن طائرة سلاح الجو الأمريكي يجب أن تثير قلق كل إسرائيلي حريص على بقاء الدولة الإسرائيلية ديمقراطية، القائمة على ثلاث سلطات: التشريعية، التنفيذية، والقضائية. قال ترامب:
“قلت لنتنياهو إنني لا أريد أن أثير موضوع العفو، لكن المكان كان مناسبًا والتوقيت رائعًا، لقد حظي بتصفيقٍ عالٍ، وكان التوقيت رائعًا، وقد نجح الأمر بشكل مذهل. لولا التصفيق لنتنياهو، لما طرحت الموضوع. إنه موضوع حساس بعض الشيء في إسرائيل، لكن الجمهور كان رائعًا”.
هكذا قال الرئيس بأسلوبه “الترامبي” الخاص.
في الحقيقة، ما فعله الرئيس الأمريكي يُعدّ وقاحة، إذ وقف على منصة الكنيست وتدخّل في الشؤون الداخلية لإسرائيل – دولة ذات سيادة تمتلك نظام قضاء وحكم مستقلّين. كان هذا تدخّلًا فجًّا، أشبه بحماة تتدخل في شؤون بيت الزوجين اللذين يعيشان بسعادة.
لكن المشكلة ليست مع الرئيس الأمريكي نفسه؛ فقد قام بأكثر مما يُطلب منه لإعادة المخطوفين الأحياء، ولتهيئة مستقبل أفضل هنا.
المشكلة تكمن في شخصين ضعيفين، ينبغي لهما هذا الصباح، من باب النزاهة، أن يضعا المفاتيح ويغادرا الحياة العامة في إسرائيل. لقد فشلا في أداء واجبهما ولم ينجحا في مهمتهما الأساسية (حماية قيم ومؤسسات دولة إسرائيل)؛ الأول هو رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ، والثاني هو رئيس المعارضة يائير لابيد.
وللتوضيح لكلا السيدين، إليكما درسًا قصيرًا في التربية المدنية للصف الحادي عشر، كما يُدرّس حاليًا في كل مدرسة ثانوية في إسرائيل: لدولة إسرائيل قوانين، ومؤسسات، وأعراف، ولها أيضًا قواعد بروتوكولية. إسرائيل دولة ديمقراطية تتكوّن من ثلاث سلطات: السلطة التشريعية – وهي الكنيست، السلطة التنفيذية – وهي حكومة إسرائيل، والسلطة القضائية – التي يرأسها المحكمة العليا.
إن مبدأ فصل السلطات وُضع لضمان التوازن والرقابة المتبادلة، ولمنع قيام نظام ملكي يستند إلى شخص واحد، أو عائلة واحدة، أو مجموعة ضيقة من أصحاب النفوذ.
لكن يبدو أن نتنياهو يريد أن يحكم إسرائيل إلى أبد الآبدين. فبحسب ما ورد أمس في القناة 12 الإخبارية، قالت الصحافية دانا فايس، إن نتنياهو قال لها إنه “ينوي الاستمرار لأربع ولايات أخرى كرئيس للحكومة”.
حكومة نتنياهو تبذل كل ما بوسعها لتفكيك السلطات الثلاث. في الوقت الراهن، تمسك باثنتين منها: السلطة التشريعية، بفضل الأغلبية البرلمانية التي تملكها الائتلاف، والسلطة التنفيذية. أما الجهة الوحيدة التي لا تزال تقف في وجهها فهي المحكمة العليا.
في أيام السلم، كان بإمكان الحكومة أن تتعايش جيدًا مع السلطة القضائية ومع مؤسسات القانون، بما في ذلك مؤسسة المستشارة القانونية للحكومة. لكننا لسنا في أيام سلم. تجري ضد رئيس الحكومة محاكمة جنائية بتهم تتعلق بنزاهة السلوك. وتجري ضد عدد من الوزراء وأعضاء الكنيست البارزين في الائتلاف تحقيقات شرطة بتهم اغتصاب ومخالفات نزاهة، أما ضد من كان رئيس الائتلاف سابقًا فتُجرى محاكمة جنائية بتهم نزاهة.
ثمة مساعدون لرئيس الحكومة ووزراء مشتبه بارتكابهم مخالفات أمنية وجنائية بمستوى خطير. بعض الوزراء وأعضاء الائتلاف أُدينوا قانونيًا أو كانوا أهدافًا للشاباك في الماضي. فوق كل هذا، هناك رغبة في تمرير قوانين تمكّن فئة معينة فقط من الجمهور من الاستفادة من الخزانة العامة، أو أن يشارك جزء من الجمهور في القتال بينما يحصل فئة مميزة على إعفاء وتأهيل للتملص من الخدمة في الجيش. لذلك، من الواضح أن للسلطة التنفيذية ومن يقودها صعوبة في العيش والمواصلة أمام السلطة القضائية، التي من المفترض أن تعمل ككبح وتوازن في المجتمع الديمقراطي الإسرائيلي. فماذا يفعلون؟ يخرجون السلطة القضائية من المعادلة.
بمنهجية، يحولونها إلى جهة غير شرعية. يصنعون حملات تضليل، ويطلقون آلة السم، ويحاولون فصلها وعزلها، ويتجنبون الظهور على نفس المنصة معها، ببساطة يعملون على جعلها غير ذات صلة. إلى حد أنه عندما وصل رئيس الولايات المتحدة لإلقاء خطاب في الكنيست، وحسب البروتوكول، كان ينبغي دعوة الطاقم الواسع من كبار مسؤولي الدولة – لكنهم لم يفعلوا ذلك ببساطة. لماذا؟ لأن السلطة التنفيذية، أي الحكومة، تسيطر على الكنيست ويمكنها أن تفعل ذلك. تزيح من لا تراه مرغوبًا، وفي هذه الحال من مبنى الكنيست.
كان من المفترض أن يتصرّف السيدان المذكوران في هذه النقطة تحديدًا.
الأول، رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ، كان عليه أن يقف ويعلن لرئيس الكنيست أمير أوحانا أنه إذا لم تُرسل الدعوات إلى جميع أعضاء الطاقم الرسمي الموسّع من فئة “ألف” – بمن فيهم رئيس المحكمة العليا يتسحاق عميت، وحامية البوابة القانونية للدولة المستشارة القضائية غالي بهراف-ميارا، فلن يحضر إلى مبنى الكنيست.
الأمر نفسه كان يجب أن يفعله رئيس المعارضة يائير لابيد، ومعه جميع أعضاء المعارضة.
والآن بات واضحًا لماذا استحق لابيد، كما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لقب “الرجل اللطيف”؛ فقد أثبت بالأمس أنه ليس أكثر من وجه لطيف، وبالتأكيد ليس معارضة حقيقية تقاتل.
في نظر كثيرين، كان الاثنان بالأمس مجرد زينة في حدث مهيب أعلنت فيه دولة إسرائيل، تقريبًا بشكل رسمي، أنها باتت دولة ذات نظام ملكي لا ديمقراطي.
أما فيما يتعلق بالعفو، فالأمر واضح. دمية نتنياهو المتحركة، يتسحاق هرتسوغ، سينفّذ ذلك بكل سرور.
رئيسٌ أمضى فترة ولايته بأكملها كصورة فارغة بلا تأثير، من دون قدرة على التأثير في المجتمع الإسرائيلي أو الحفاظ على طابع الدولة كـدولة ديمقراطية، ليبرالية، متساوية في الحقوق والواجبات بين جميع مواطنيها -فما الذي سيمنعه من توقيعٍ صغير آخر يمنح العفو للملك؟
معاريف 14/10/2025