أصيلة (المغرب) ـ «القدس العربي»: اعتبر مشاركون في ندوة حول «الفن وسلطة التقنية»، شهدها موسم أصيلة الثقافي أخيرا، أن التقنية لم تضف بعدا جماليا جديدا فحسب، بل أسهمت أيضا في بلورة وعي فني معاصر يجسّد التحولات الثقافية والتكنولوجية لمجتمعاتنا الراهنة. وشددوا على أن التداخل بين الفن والتقنية، يثير في الآن ذاته تساؤلات عميقة، من قبيل: هل ما زال بإمكان الفن أن يحافظ على جوهره الإنساني في زمنٍ تهيمن فيه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي؟ وهل ستكون التقنية خادمة للإبداع أم بديلا عنه؟
الندوة التي نظمها «منتدى أصيلة» تضمنت مقاربات متعددة، تجمع بين رؤى الفنانين والنقاد والباحثين المتخصصين في تكنولوجيا الفن. وبدأت بكلمة لمدير النقاش الفكري، شرف الدين ماجدولين، أشار فيها إلى أن التقنية باتت لا تشكل فقط قاعدة لكل اجتهاد إنساني اليوم، بل صارت سلطة توجه التعبيرات وتهيمن على اختيارات الفنانين وما يبذلونه من جهود في الإنجاز والتعبير. وأوضح أنه «حينما نقول التقنية ينصرف ذهننا إلى أنها منتجة للوسائط وللأجهزة»، مضيفا أن تاريخ الفن هو بشكل من الأشكال تاريخ للاجتهاد التقني الذي بذله الذهن البشري.
وتوقف المتحدث عند لحظات فارقة في هذا التاريخ، لافتا إلى أن نشأة المطبعة في القرن الخامس عشر، وما استتبعتها من فنون الحفر والطباعة الحجرية، وغيرها من فنون الطباعة كانت لحظة مؤسسة لدمقرطة الفنون وانتشارها، حيث أضحت الآلة بديلا عن المهارة اليدوية للفنان، ثم انتقل إلى لحظة التصوير الفوتوغرافي التي كان فيها الجهاز منطلقا، لكي يتحول الانشغال الفني من مسعى المطابقة والتمثيل إلى مسعى مختلف، إذ يتحول الفن إلى أن ينشئ تأويلا. ومن ثم، بات في منطق التاريخ اعتبار الانطباعية والتجريد، وليدي الفوتوغرافيا، يقول شرف الدين ماجدولين.

وذكر أن الفنون الرقمية تمثل اللحظة الثالثة، ليفصل فيها الحديث موضحا: «نكاد نقول إننا نعيش انفلاتا من مرجعية المبدع، إلى مرجعية الجهاز والتقنية. الفنون الرقمية وما تفرضه من مؤسسات يكون فيها الفنان طرفا فقط إلى جانب المهندس والمبرمج والخبير في المعلوميات، وفنون الحاسوب أنشأت لنا لحظة مختلفة تستدعي أسئلة مؤرقة في حقل الفنون: هل عادت للملكية/ التحفة من مكانة اليوم؟ أي تعبير للفنون الرقمية التي لا يكون فيها دور كبير للفنان؟ وأي مرجعية يمكن أن تكون في هذه اللحظات للمتاحف؟ وهل يمكن أن تكون لهذه الأعمال محطات وأروقة وأرشيف؟».
وقال حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، إن التقنية أصبحت في زمننا الراهن مكوّنا أساسيا من مكوّنات الممارسة الفنية، إذ لم تعد تقتصر على كونها أداة مساعدة أو وسيطا آليا فحسب، بل تحوّلت إلى فضاء إبداعي مستقل يُعيد تعريف مفاهيم الفن والجمال والتجربة الجمالية ذاتها. ولاحظ أن الفنان المعاصر صارت له إمكانات غير مسبوقة في التعبير والتجريب، مع تطوّر الوسائط الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والواقع الافتراضي. ومن غير الخافي، يشير البطيوي، أن التقنية باتت تسهم في توسيع وسائط التعبير الفني، حيث تجاوز الفن حدوده التقليدية المألوفة، المحصورة في الرسم والتصوير والنحت والتنصيبات، ليتجسّد في أشكال جديدة مثل الفن الرقمي، وفن الفيديو، والفن التفاعلي، والتركيبات السمعية – البصرية، والفن القائم على البيانات. ورأى أن هذه الأشكال سمحت للفنان بترجمة أفكار معقدة بأساليب مبتكرة، كما مكّنت الجمهور من خوض تجارب حسّية مثيرة والمشاركة بفاعلية في العملية الإبداعية. وبالنسبة للبطيوي، فقد أدّت الثورة الرقمية، من جانب آخر، إلى دَمقرطة الإبداع الفني؛ إذ لم يعد الفن حكرا على النخب أو المؤسسات الأكاديمية والمتاحف، بل أصبح متاحا للجميع عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ بمجرّد أن يتوفّر الفنان على حاسوب واتصال بشبكة الإنترنت، يغدو قادرا على التعبير عن ذاته وتقاسم أعماله مع جمهور عالمي، ما عزّز التعددية والتنوّع في المشهد الفني. كما فتحت التقنية، من جانب ثالث، مجالا أرحب لتقاطع الفن والعلم، حيث أضحى التعاون بين الفنانين والمهندسين والمبرمجين، يولّد مشاريع تجمع بين الحسّ الجمالي والابتكار التقني.
وفي المحصلة، يضيف البطيوي، غيّرت التقنية علاقة المتلقي بالعمل الفني، إذ انتقل من موقع المتفرّج السلبي إلى دور الفاعل المشارك في التجربة الفنية؛ ليتّضح أن التقنية لم تقتصر على تطوير أدوات الفنان، بل غيّرت طبيعة العملية الإبداعية ذاتها؛ فأتاحت له فضاءات جديدة للتجريب، ووسّعت دائرة جمهوره، وقرّبت المسافة بين الفن والعلم، كما منحت المتلقي دورا فاعلا في بناء المعنى.
وخلص أمين عام «منتدى أصيلة» إلى أن التقنية لم تُضِف بعدا جماليا جديدا فحسب، بل أسهمت أيضا في بلورة وعي فني معاصر يُجسّد التحوّلات الثقافية والتكنولوجية لمجتمعاتنا الراهنة. غير أن التداخل بين الفن والتقنية، يقول البطيوي، يثير في الآن ذاته تساؤلات عميقة، من قبيل: هل ما زال بإمكان الفن أن يحافظ على جوهره الإنساني في زمنٍ تهيمن فيه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي؟ وهل ستكون التقنية خادمة للإبداع أم بديلا عنه؟
بعد ذلك، توالت المداخلات التي أثارت العلاقة التاريخية بين الفن، مبرزة تطورها منذ العصور القديمة إلى زمن الذكاء الاصطناعي، حيث جرى تسليط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه التكنولوجيا في تشكيل أفق الإبداع المعاصر وتوسيعه.
وذهب متحدثون في الندوة إلى القول، إننا نعيش عصر هيمنة التقنية على الجمال والمعنى، حيث أصبح الذوق موجها وليس حرا، وصار الفن مسيّجا بخوارزميات الذكاء الاصطناعي. ورغم الاعتراف بفضل التقنية على تطوير الأدوات والإنتاج الفني، فإن المتدخلين شدّدوا على ضرورة استعادة الإنسان لموقعه المركزي كصانع للمعنى لا مجرد متلق للبيانات.
وقدم سعيد حجازي، مدير عام مراكز الفنون في وزارة الثقافة المصرية، رؤية شاملة لتاريخ التفاعل بين الفن والتكنولوجيا، مبرزا، أن الإبداع الفني ليس مجرد موهبة فطرية، بل نتاج تدريب ومهارات تقنية وتفاعل مع التطورات العلمية. وأشار إلى لحظات محورية في تاريخ الفن، كاكتشاف المنظور الهندسي واختراع الطباعة، ثم التصوير الفوتوغرافي والسينما، وصولا إلى الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن الفنان سيظل قادرا على تطويع التقنية لخدمة رؤيته الإبداعية.
شو سين شين، الفنانة الفرنسية من أصول تايلندية والأستاذة في جامعة باريس 8، تحدثت عن دور التقنية كوسيط فني يعكس التحولات التي يعيشها الإنسان، وركزت على حساسية الفنان في التعامل مع الذكاء الاصطناعي. كما استعرضت تجاربها البحثية في الابتكار الرقمي منذ التسعينيات، مؤكدة أن التقنية تُثري التعبير الفني ولا تلغيه.
أما الباحث المغربي في الجماليات، يوسف مريمي، فقد تطرق إلى البعد الجمالي للتقنية، محذرا من هيمنة سلطتها، خاصة في ظل سيطرة السوق والإعلانات والموضة، ما يهدد حرية الإبداع. لكنه أشار إلى إمكانية تحويل التقنية إلى أداة للتحرر الفني، معتبرا أن الفن الحقيقي يظل فعل مقاومة ضد التفاهة والنمطية.
ومن جهته، أشار الأكاديمي محمد نور الدين أفاية، إلى أن التقنية ليست فقط أدوات، بل هي جزء أساسي من الفعل الإبداعي منذ الكتابة إلى الذكاء الاصطناعي، داعيا إلى تجاوز النظرة الاختزالية لها.
وتناولت الناقدة الفنية والأكاديمية الفرنسية بربارة ساتر، العلاقة بين التقنية والصورة، ملاحظة أن الفنان يمكنه هدم الأساطير القديمة عبر استخدام التقنية لبناء سرديات جديدة، ومؤكدة أن الخيال يظلّ جوهر التجربة الفنية.
جعفر عقيل، الخبير في الفوتوغرافيا، خصص مداخلته للتحولات العميقة التي تشهدها الفوتوغرافيا الرقمية، حيث بات الذكاء الاصطناعي يشارك في إنتاج الصورة، مما يثير أسئلة حول الجمال والواقع والتمثيل الفني. ولفت الانتباه إلى خطر «تسليع» الصورة، وتحويلها من توثيق الواقع إلى صناعة واقع زائف.
وتحت عنوان «سحر التقنية وهالة الفن»، جاءت مداخلة الباحث المغربي في الفلسفة المعاصرة، لتناقش العلاقة الملتبسة بين الجانب السحري في الفن في علاقته بالتقنية، معتبرا أن التقنية تفقد بريقها عندما تُختزل في أدوات، بينما يظل الفن المدخل الحقيقي لاختبار سحر التقنية وإمكاناتها الكامنة.
وكانت المداخلة الأخيرة للأكاديمي ومنظم المعارض، ميكائيل فطري الداودي، الذي أثار التحديات التي يطرحها الحلم مع الآلة، خصوصا تشبع الذوق والتوجيه ومراقبة الميولات، متسائلا عن مستقبل المخيلة البشرية في زمن الذكاء الاصطناعي.