بن كسبيت
إحدى ميزات عصر ترامب أنه عند وقوع الأحداث التي يصعب فهمها وتفاجئ الجميع، لا يمكن أن نقرر فيما إذا كان هذا شراً أم خيراً، وهل ينبغي لنا أن نكون متفائلين أم متشائمين، والأهم إذا كانت هذه نهاية تامة أم أنها سينقلب رأساً على عقب بعد يومين أو أسبوعين مرة أخرى.
عموماً، أعلن ترامب أمس عن نهاية الحرب. أما بشأن التفاصيل، فاذهب لتعرف إذا كان هذا سيحصل. إحدى نظريات المؤامرة تعتقد أن عيني ترامب لا ترنوان إلى غزة أو الدوحة أو أنقرة، بل إلى أوسلو، حيث يفترض إعلان الفائزين بجائزة نوبل في نهاية الأسبوع القادم، لذا استغل ترامب نهاية الأسبوع هذه كي يدرأ الشك. السؤال هو: ماذا سيحصل إذا تبين له، لا سمح الله، أنه لم يفز، فهل سيعلن الحرب مرة أخرى؟
موجز الأحداث الأخيرة قد يبعث على الدوار حتى لسائق سباق متمرس. ففي الجمعة، قبل وقت قصير من دخول السبت، بدا ترامب كفاحياً أكثر من أي وقت مضى، وأعلن عن إنذار جديد: حماس ملزمة بإعطاء جواب على مخططه حتى ليلة الأحد الإثنين. وإلا، ستفتح بوابات الجحيم.
تحدث رجال ترامب ورجال نتنياهو أنهم لن يقبلوا بجواب متملص. لن يكون “نعم ولكن”. كما لن تكون مفاوضات متجددة
في الوقت ذاته، تحدث رجال ترامب ورجال نتنياهو أنهم لن يقبلوا بجواب متملص. لن يكون “نعم ولكن”. كما لن تكون مفاوضات متجددة. على حماس أن تأخذ القرار بصيغة “خذه أو دعه”، هكذا ببساطة.
وعندها ردت حماس بـ “نعم ولكن” الذي هو أقرب إلى “لا”، وذلك رغم أنهم يوافقون على البدء بتحرير المخطوفين وفقاً لمخطط ترامب “ليس الجميع وليس في غضون 72 ساعة”، لكنهم لا يوافقون على تجريد القطاع، لا يوافقون على قوة متعددة الجنسيات، ويريدون خوض مفاوضات على كل هذه التفاصيل.
وماذا يفعل ترامب؟ يعلن عن نصر تاريخي وسلام أبدي. “لا” الخاصة بحماس ترجمت إلى إنجليزية ترامبية وأصبحت “نعم”. فقد سارع ترامب بالتهنئة على المنجز وتبكير المتأخر، وعلى الطريق أمر إسرائيل بوقف القصف في غزة. أما إسرائيل، أي نتنياهو، فمسح البصاق عن وجهه وأطاع.
من السابق لأوانه معرفة أين سيفضي كل هذا. واضح أن ترامب استنفد العرض ويريد التخلص منها. واضح أن قطر هي الحليف الأهم والأكبر للأمريكيين في الشرق الأوسط، بكثير. واضح أن المكان الثاني تشغله تركيا، واضح أن رون ديرمر الذي يحظى في الآونة الأخيرة بتيجان كثيرة، ويوسف كـ “عبقري الجيل” عاد إلى حجمه الطبيعي. واضح أننا وصلنا أخيراً إلى “النصر المطلق” – لكن ليس بفضل النصر، بل لأن ترامب قرر.
واضح أيضاً أن شيئاً من وعود وهذيانات اليمين المتطرف ونتنياهو لن يحصل على الأرض: لن تكون ريفييرا في غزة، ولن يحدث ضم، ولن تبنى مستوطنات جديدة في غزة، ولن يكون تهجير طوعي أو قسري، ولن نلاحق مخربي حماس حتى آخرهم، إذ ليس لأحد ما يكفي من الوقت لهذا. على إسرائيل أن تعود إلى أرض الواقع، وربما أعادها ترامب.
تدل المؤشرات على أن ترامب يعمل بوظيفة كاملة لدى القطريين منذ زمن بعيد، وتجلى ذلك في نهاية الأسبوع من على كل شاشة وبرزت على كل حائط. مكالمة ترامب وأمير قطر الهاتفية في يوم الغفران بشرت بحلول الربيع، أو الشتاء (هذا منوط بزاوية النظر إلى ذلك). حقيقة أن قطر وتركيا سارعتا لنشر بيانات تأييد لرد ترامب على رد حماس، تدل على أن كل شيء مخطط. أما إسرائيل فقد دخلت إلى كمين زرع بعناية ووجدت نفسها في ساحة ألغام أعدت مسبقاً. وتراوح المحور المنفذ بين واشنطن والدوحة وأنقرة. أما الرئيس المصري السيسي فقد بدا كشريك صغير يملى عليه في هذه المراسلات.
السؤال هو، أين نحن؟ أين نفوذ ديرمر العظيم على البيت الأبيض، كيف قبل نصف دقيقة من حصول هذا كله كنا نعلن بثقة بالنفس أنه “لن تكون مفاوضات” وأن خطة ترامب منتج نهائي لا جدال فيه وما شابه وهلمجرا، ثم نصبح نكتة بعد دقيقة. إذ غداً سيسافر إلى القاهرة وفد المفاوضات الإسرائيلي الأكبر منذ 7 أكتوبر.
الحرج والدهشة في أوساط نتنياهو ورجاله مساء الجمعة، بعد نشر بيان ترامب (“حماس اختارت السلام”) لم يكن لهما ثمن. ينبغي أن يقال في صالح رئيس الوزراء أنه انتعش بسرعة، وقام بالفعل الصحيح: أطاع ترامب، قال “نعم”، لم يضع مصاعب، ثم كعادته، حاول أن يلي الخريطة لصالحه. “كل شيء منسق، نصر عظيم لرئيس الوزراء”، قال لمن قال له على مدى السبت.
أتدرون؟ فليكن. حسناً. نصر عظيم. بيروس يتقلب في قبره. المهم أنك فهمت بأنه يجب إنهاء الحرب، وإعادة المخطوفين (بترتيب معاكس) والفهم بأن لا، لا يمكن أن تشطب حماس من على الخريطة. غزة يمكن، أما حماس فأقل. وحان الوقت لوقف النزيف، والبدء بترميم ما بقي من العلامة التجارية “إسرائيل”.
بضع كلمات عن تركيا؛ فهي إلى جانب قطر العراب الرئيس للحدث. وهذا لن يقال في صالحنا. اردوغان ليس محباً لصهيون، هو كاره لإسرائيل، يفعل كل ما يمكنه كي يضيق على خطانا في كل مجال وفرع ومنطقة في المحيط. هو يوشك على أن يحصل على قاذفات الشبح من الأمريكيين، وهو أحد العناصر الذين حثوا ترامب على الخطوة الحالية، وحماس على جوابها المتملص. ائتلاف الإخوان المسلمين هذا، من الدوحة عبر أنقرة ودمشق وغزة، هو المحور الجديد الذي أقامه نتنياهو حولنا، بعد أن نظف المحور الشيعي.
لو تحمل نتنياهو المسؤولية عن 7 أكتوبر لأمكن إعطاؤه الحظوة على إنجازات الحرب بسرور. ليس في هذا حاجة حقيقية، فالتاريخ سيفعل هذا أيضاً. السؤال هو: ما الذي سيولده اليوم؟ إلى أين ستأخذنا هذه الأحداث الآن؟ وماذا سيكون مصيرنا بعد عصر ترامب (الذي سينتهي في أقصى الأحوال بعد ثلاث سنوات)؟ في هذه الأثناء، الأهم هو الاجتهاد بألا نفجر بالون الفرصة الحالية، وألا نضيف مصاعب إلى الترهات، وأن نعيدهم إلى الديار. الآن.
معاريف 5/10/2025