لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا لمحررها الدبلوماسي باتريك وينتور قال فيه إن التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بغزة لم يكن ممكنا لولا تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مثل “العملاق/ جغرنات” الذي دفع نفسه باتجاه تحقيق وقف إطلاق النار، مشيرا إلى أن اجتماع الرئيس الأمريكي مع القادة العرب والمسلمين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة كان نقطة تحول، لكنه ليس الوحيد الذي يجب أن ينسب له فضل، فهناك عدد كبير من اللاعبين ساهموا في الصفقة.
وبدأ وينتور بالتذكير بمقولة معروفة في السياسة وهي أن النجاح له آباء كثر، أما الفشل فلا أب له، لكن في حالة دخول ترامب على الخط فالنجاح ليس سوى لأب واحد. ومع ذلك، يحق للعديد من الدول والأفراد التقدم بطلب دور مؤثر في الصفقة التي يؤمل أن تنهي الحرب الدائرة منذ عامين في غزة.
ويقضي الجهد الجماعي المبذول منذ عدة أشهر أن يطالب الكثيرون بدور ما، بمن فيهم الرئيس الأمريكي، الذي اقتنع أخيرا، بعد محاولات فاشلة، بالتركيز على إنهاء وهم تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين من وطنهم، وشرح لبنيامين نتنياهو، بدلا من ذلك، رؤى النصر التي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي قادرا على تحقيقها وتلك التي فشل في تحقيقها.
وقد كانت نقطة التحول اجتماعا في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة ترأسه ترامب، بعد خطابه المثير أمام الوفود المشاركة. وقد صف ترامب هذا اللقاء بأنه أهم اجتماع له في الأمم المتحدة.
كانت نقطة التحول اجتماعا في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة ترأسه ترامب، بعد خطابه المثير أمام الوفود المشاركة
وفي اللقاء الذي نظمته الإمارات العربية المتحدة، عرض ترامب لأول مرة خطته للسلام المكونة من 20 نقطة آنذاك أمام مجموعة من الدول العربية والإسلامية التي يمكن أن تشكل العمود الفقري لأي قوة استقرار تدخل غزة في حال وقف إطلاق النار. وبحلول ذلك الوقت، كان ترامب قد اقتنع، بمساعدة صهره جاريد كوشنر ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، بتغيير رأيه بشأن قضيتين حاسمتين. أولا، لا ينبغي طرد الفلسطينيين من غزة، ولا ينبغي لإسرائيل أن تحتل القطاع. و”يجب أن تكون غزة لأهلها”، وهو ما يعني تخلي ترامب عن خطاب التهجير الذي استخدمه في وقت سابق من هذا العام، عندما أثار قلقا واسع النطاق بالحديث عن خطط لتطوير “ريفييرا غزة”.
الأمر الثاني، هو اقتناع ترامب بأن خطة “اليوم التالي” لمستقبل غزة لن تكون عقبة أمام المفاوضات بشأن اتفاق وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى بإضافة بنود جديدة محل خلاف، بل هي شرط أساسي للنجاح.
وشرح دبلوماسي بريطاني تفكير بلير قائلا: “لم تكن حماس لتستسلم إلا إذا علمت أن الإسرائيليين سينسحبون، ولن ينسحب الإسرائيليون ويتوقفوا عن احتلال غزة إلا إذا علموا أن حماس لن تكون في الحكومة. ما لم تحل مسألة من يحكم غزة، فلن تتمكن من إنهاء الأمر”. ويعلق ويتنور أن هذا سهل بدوره على الدول العربية ممارسة الضغط السياسي على حماس للتفاوض، إذ كان بإمكانها الإشارة إلى طريق نحو إقامة دولة فلسطينية، وهو أمر لطالما كان شرطها المسبق للمصالحة مع إسرائيل.
كما ودعمت الدول العربية مطالب تنحي حماس جانبا ونزع سلاحها.
وقال أحد المشاركين في إقناع الرئيس الأمريكي: “الناس لا يريدون سماع هذا، لكن ميزة ترامب أنه بمجرد أن يقرر القيام بشيء ما، يصبح أشبه بعملاق. وقد ضغط بالفعل على الإسرائيليين”.
كما وأثار قرار نتنياهو الأحادي بقصف الدوحة في 9 أيلول/سبتمبر، من أجل القضاء على مفاوضي حماس، شكوكا حول موقف ترامب تجاه إسرائيل. لم يستشر ترامب، لكن التطمينات الأمريكية قوبلت بالتشكيك. ونتيجة لذلك، أُمر نتنياهو، الذي لا يميل إلى الندم، بالاعتذار والتأكيد على احترامه لسيادة قطر مستقبلا.
ولهذا قام ترامب، في محاولة لإصلاح الضرر مع الدولة الخليجية التي تستضيف القاعدة الجوية الأمريكية الرئيسية في الشرق الأوسط، بتوقيع أمر تنفيذي استثنائي ينص على أن أي هجوم مستقبلي على الإمارة سيعامل على أنه هجوم على الولايات المتحدة. كل هذا يعني أن الزعيم الأمريكي كان أكثر ميلا لرؤية دول الخليج لشرق أوسط جديد. وفي إشارة إلى استعداده للضغط على الحكومة الإسرائيلية بقوة، بطريقة لم يفعلها جو بايدن، أخبر ترامب إسرائيل أنه لن تكون هناك عمليات ضم أخرى في الضفة الغربية.
كان هدف الدول العربية هو إلزام ترامب شخصيا بالعملية. وقال أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني: “نعتمد عليكم وعلى قيادتكم، لإنهاء هذه الحرب ومساعدة سكان غزة”
ومنذ بداية الاجتماع الهامشي في الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر، كان هدف الدول العربية هو إلزام ترامب شخصيا بالعملية. وقال أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني: “نعتمد عليكم وعلى قيادتكم، لإنهاء هذه الحرب ومساعدة سكان غزة”. وقال إن الهدف الحقيقي لإسرائيل هو “تدمير غزة وجعل السكن فيها وسبل العيش والتعليم والرعاية الطبية مستحيلة وتجريدها من أسس الحياة البشرية نفسها”. وقد لعبت فكرة تدخل ترامب شخصيا وكونه محورا للحل بتحويله إلى ضامن وقدم نفسه على أنه رئيسا لمجلس السلام، الهيئة التي ستشرف على إعادة إعمار غزة. ومن ناحية، فستكون الرئاسة رمزية أو اسما، ولكنها بناءة بقدر ما لديه من نفوذ واحتمال استمرار انخراطه في غزة.
ويعلق عدد ممن راقبوه بأنه بدأ يشعر أن لديه فرصة حقيقية لحل صراع طويل جدا، على عكس محاولته الفاشلة في أوكرانيا.
وبمجرد أن أعلن عن الخطة لم يسمح ترامب بأن يتم التخلي عنها، بل واصل الضغط على حماس، محذرا من إبادة الحركة إذا لم تفرج عن الرهائن مقابل 250 فلسطينيا. لكن ترامب لم يسمح لإسرائيل بالتراجع أيضا، حيث أصبحت السرعة والزخم من الأمور الجوهرية.
وكانت درجة وأهمية المفاوضين الذين ذهبوا إلى المحادثات في مصر هي التي كشفت أن الأمور قد بدأت تتحسن أخيرا وأن حماس ستجبر على إطلاق سراح جميع الأسرى الذين تحتجزهم، على الرغم من أن إسرائيل لن تغادر غزة بالكامل على الفور.
وكانت المشاهد استثنائية بما يكفي لأن مفاوضي حماس كانوا، وإن كان من خلال وسطاء، يجرون محادثات مع حكومة حاولت اغتيالهم قبل شهر. وبحلول الوقت الذي بدأوا فيه، شعر المشاركون أن التوصل إلى اتفاق أمر لا مفر منه.
كما وأكد وصول كوشنر، ورئيس جهاز المخابرات التركي، إبراهيم قالن، ورئيس وزراء قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، قرب تحقيق اختراق.
وخلال المحادثات، سعى مفاوضو حماس، بقيادة زعيمها خليل الحية، ومحمد الهندي، نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، وجميل مزهر نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى توضيح أسماء الفلسطينيين الذين سيتم إطلاق سراحهم، وآلية إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، وجوانب “اليوم التالي” من الاتفاق، مع دراسة متأنية للخرائط التي تظهر انسحاب القوات الإسرائيلية.
وتم إخبار حماس بأنه طالما بقيت مبادئ “اليوم التالي” الحاسمة قائمة، سيتعين على التفاصيل انتظار مفاوضات ثانية.
والخطر الذي تواجهه حماس الآن هو فقدان نفوذها بتسليم الأسرى، وأن تتحقق مخاوف إسرائيل من رفضها الانخراط في خطط مستقبل غزة أو إيجاد ذريعة لاستئناف القتال، خاصة أن المطلب الداخلي بإنقاذ الأسرى قد زال.
يظل استمرار ترامب في الضغط على نتنياهو أمرا بالغ الأهمية، وهو ما أقرت به حماس في تصريحاتها التي أشارت فيها إلى الرئيس الأمريكي كضامن للخطة
ومن هنا يظل استمرار ترامب في الضغط على نتنياهو أمرا بالغ الأهمية، وهو ما أقرت به حماس في تصريحاتها التي أشارت فيها إلى الرئيس الأمريكي كضامن للخطة.
وعلى قناة “فوكس نيوز”، قال ترامب إنه أخبر نتنياهو أن “إسرائيل لا تستطيع محاربة العالم”، مضيفا: “وهو يفهم ذلك جيدًا”. وقال: “سترون الناس يتعايشون، وسيعاد إعمار غزة”.
وبخلاف هذه الرؤية، كان لدى الإسرائيليين رؤية أخرى وهي أن المحادثات هي مرحلة أولى فقط. وقال أميت سيغال، الصحافي المقرب من نتنياهو: “لا توجد مرحلة ثانية، هذا واضح للجميع، أليس كذلك؟ قد تحدث المرحلة الثانية يوما ما، لكنها لا علاقة لها بما تم توقيعه للتو”.
وقد تم بحث خطة ترامب في اجتماع منفصل في باريس، وعلى جدول الأعمال قضايا مثل تسليم حماس للأسلحة واستبعادها من الإدارات المستقبلية وتفويض قوة حفظ سلام دولية واستئناف تدفق المساعدات الإنسانية والعلاقة المستقبلية بين غزة والضفة الغربية كنواة للدولة الفلسطينية المستقبلية.
وفي جميع هذه القضايا تقريبا، كانت هناك خلافات عميقة بين إسرائيل من جهة، وأوروبا والدول العربية من جهة أخرى.
ويترأس بلير هذه المناقشات، وهو عضو في مجلس السلام أو الحكومة المؤقتة التي ستشرف على التكنوقراط الفلسطينيين الذين يساعدون في تنفيذ خطط إعادة الإعمار. وسيتعين على بلير إقناع السلطة الفلسطينية بأنه لا يعرض ترتيبات استعمارية، كما يخشى رئيس الوزراء السابق. لكن من غير المرجح أن يؤدي هذه المهمة ما لم تكن لديه صلاحيات حقيقية، وهو أمر يعتقد أنه لم يمنح له عندما كان مبعوثا خاصا للشرق الأوسط لدى اللجنة الرباعية.
ويسعى القادة العرب إلى الحصول على ضمانات بأن قوة الاستقرار الدولية التي ستدخل غزة في نهاية المطاف تتمتع بتفويض من مجلس الأمن الدولي، وأن هناك خطة واضحة للتعامل مع غزة والضفة الغربية ككيان سياسي واحد.
ويعتقد وينتور أن أصعب القضايا التي لم تحل في المحادثات المستعجلة في مصر هو توقيت تسليم حماس للأسلحة. قد تكون الحركة مستعدة لتسليم أسلحتها إلى سلطة عربية، أو قوة شرطة مدنية فلسطينية، ولكن ليس إلى إسرائيل.
بل يعتقد بعض الدبلوماسيين أن حماس قد تشعر بالحاجة إلى اتباع مسار سياسي جديد، وهو أمر كانت على وشك اتخاذه سابقا. قال أحد الدبلوماسيين: “سيطالب الغزيون بمعرفة ما دار خلال العامين الماضيين”. وقال دبلوماسي مشارك في المحادثات: “المأساة هي أنه كان من الممكن الاتفاق على كل هذا قبل 20 شهرا، وكانت جميع العناصر متوفرة. كان الهدف الإسرائيلي الرئيسي، وهذا هو سبب استمرار هذه الحرب كل هذا الوقت هو إبعاد حماس عن الحكم المستقبلي، وهو ما كان ممكنا منذ زمن طويل”.