تبدأ في مدينة شرم الشيخ المصرية اليوم الإثنين، قمة دولية بشأن مستقبل قطاع غزة، يرأسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي، ويشارك فيها قادة من أكثر من 20 دولة، ويحضرها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
تأتي «قمة شرم الشيخ للسلام» لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق يهدف لإنهاء الحرب في قطاع غزة، بالتزامن مع وقائع يفترض أن تقوم فيها إسرائيل بإطلاق سراح 250 أسيرا فلسطينيا من أصحاب الأحكام المؤبدة، و1700 من أسرى قطاع غزة، فيما تقوم «حماس» بتسليم الرهائن الأحياء العشرين، وجثث 28 رهينة توفوا أثناء الحرب على القطاع.
تعبّر القمة، بالدرجة الأولى، عن وصول الإدارة الأمريكية إلى قناعة بضرورة وقف مفاعيل الكارثة السياسية والعسكرية والأمنية التي تبعت أحداث 7 تشرين أول/ أكتوبر 2023، وقامت برعايتها عبر إدارتي الرئيسين جو بايدن وترامب، مما أدى إلى تعرّض الفلسطينيين في القطاع إلى الإبادة الجماعية الأكبر في القرن الحالي، بالتساوق مع عملية «إبادة» مناظرة لمشروع الدولة الفلسطينية عبر إجراءات حكومة المتطرّفين العنصرية الإسرائيلية لضم الضفّة الغربية وتهجير سكانها قسريا.
من الضروري، مع ذلك، القول إن القمة لا تعبّر عن تغيير في موقف إدارة ترامب السلبيّ من الفلسطينيين، سواء فيما يتعلّق بطموحهم لتأسيس دولتهم، أو ما يتعلّق بأفعال الإبادة التي أوقعتها حكومة بنيامين نتنياهو بهم، وأن المواقف الأمريكية التي أدت للاتفاق الأخير، جاءت بعد إدراك ترامب وإدارته لفشل وعود حكومة بنيامين نتنياهو باحتلال مدينة غزة خلال أسابيع، ولحجم العزلة السياسية التي وصلت إليها إسرائيل، ولتغيّرات المواقف الرسمية والدولية، الغربية خصوصا، تجاه ما يحصل في غزة والضفة، إضافة إلى إدراك مخاطر الشطط الإسرائيلي الهائل على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، وخصوصا بعد الضربة الإسرائيلية الفاشلة على قطر.
أكدت مصادر دبلوماسية مشاركة أهم الدول الأوروبية في القمة، متضمنة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، وهذه المشاركة الوازنة تدلّ، من جهة، على الاهتمام الأوروبي الكبير بتحويل الاتفاق إلى نهاية للحرب، كما تدلّ، من جهة أخرى، على تغيّر مهم في مواقف الدول الغربية، من التواطؤ الأعمى مع إسرائيل، إلى القناعة بضرورة ضبط التغوّل السياسي والإباديّ الإسرائيلي، وهو ما ساهمت فيه حراكات الشعوب الأوروبية، التي شهدت بدورها انتقالا من اللامبالاة إلى التعاطف المتصاعد مع الفلسطينيين.
تشير المصادر إلى حضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهو أمر يعطي زخما للدعم الدولي، والعربي ـ الإسلامي، لـ«حل الدولتين» كما يؤشّر للحاجة إلى السلطة الفلسطينية لملء الفراغ الذي تشكّله موافقة «حماس» على التراجع عن حكم غزة «في المرحلة الانتقالية» يسجّل أيضا حضور الملك الأردنيّ عبد الله الثاني للقمة، وهو ما يعكس أيضا الإرادة الأردنية الكبيرة لإنهاء الحرب في القطاع، مع ما يعنيه ذلك أيضا من وقف التهديدات الإسرائيلية بتهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية، كما أشارت المصادر إلى حضور الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الذي قامت بلاده بدور كبير في التصدّي لإسرائيل، والمعنيّ إقليميا بوقف تمدّدها عبر سوريا، وهجماتها على لبنان. تسجّل قطر، وهي لاعب رئيسيّ في المعادلة الفلسطينية، والعربية، والخليجية، حضورها في القمة، وكان مؤسفا أن يسجّل هذا الحضور حادثا أودى بحياة ثلاثة من دبلوماسييها المشاركين.
ليس غريبا، بالطبع، أن يغيب نتنياهو، الذي يمثّل عبئا لا يمكن احتماله لجميع الحضور. كان لافتا، في المقابل، أن توجّه الدعوة إلى إيران لحضور القمة، ويبدو أن القيادة السياسية الإيرانية، رغم إعلانها الترحيب باتفاق وقف إطلاق النار، قررت عدم الحضور كإعلان عن رفضها للسياسات الأمريكية ضدها، وهو ما عبّر عنه وزير خارجيتها عباس عراقجي صراحة، أمس.
تمثّل القمة، باختصار، التوازنات الحرجة التي أدّى إليها الاستعصاء «الإبادي» الإسرائيليّ، مع الانكشاف الدولي والشعبي للطبيعة الاستعمارية العنصرية للكيان في الغرب، وكذلك مع انكشاف «الجنون» العسكري ـ الأمنيّ لإسرائيل في الشرق الأوسط، بالتساوق طبعا، مع فشل هذا الجنون المطبق في تحقيق أهدافه المستحيلة، من تطهير عرقيّ وإلغاء الفلسطينيين سياسيا.