أن تكتب رواية في إيران يعني أن يحف بك الرقيب، ووزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي (التي كانت قبل الثورة الإسلامية وزارة الثقافة والفنون) وحملة مكافحة الفساد الاجتماعي. تخيـّل أنك يجب أن تـُساءل من قبل هذه الجهات ذات الصلاحيات المطلقة ليس على كل كلمة تكتبها، بل حتى على عقلك الباطن ولا وعيك.
الرواية تدور حول فكرة واحدة فقط، هي أن كاتب إيراني يريد أن يكتب قصة حب في إيران، والسيد بتروفتش الرقيب والمسؤول عن المطبوعات يراقب كل كلمة يكتبها، ويطلب إليه أن يعدّل الأحداث والمواقف والشخصيات بما يتناسب مع عادات وثقافة المجتمع الإيراني والثورة الإسلامية..
مقص الرقيب المسلط دوماً على قلم الكاتب، يجبره أن يلتزم لغة معينة، مثلاً تم حذف كلمة مومس من معجم اللغة الفارسية، واستـُبـدلت بالسيدة غير المحصّنة. ويمنع السيد بتروفيتش الكاتب من كتابة عبارة (الأوراق تتساقط عن الأشجار وهي ترقص) ويطلب إليه أن يحذف كلمة رقص لأنها تـُعتبر سوقية ومحرّمة. كما أن الرقيب يحذف عبارة (يولج سائق الدراجة النارية خرطوماً بلاستيكياً في خزان بنزين لشاحنة صغيرة) لأن هناك دلالات جنسية واضحة في هذه العبارة. ورغم أن مقص الرقيب يقص هنا وهناك، فإن الكاتب متحمس لكتابة قصة حب بين سارا الطالبة الجامعية في كلية الآداب، ودارا الشاب الذي كان شيوعياً وسجن وعذب، ثم خرج من السجن ليعمل دهانا للجدران… سارا تحب دارا، لكنها لا تجرؤ أن تقترب منه وتكلمه، لأنه إذا كلـّم أحدهما الآخر فإنهما يتلقيان تحذيراً تأديبياً من اللجنة التأديبية، ومن حملة مكافحة الفساد الاجتماعي. تسأل سارا أساتذتها في كلية الآداب لماذا لا يدرّسون الأدب الإيراني المعاصر، بل يدرّسون أعمالا لشعراء وكتاب إيرانيين تعود إلى أكثر من ألف سنة؟ ويجيب الأساتذة، بأن الأعمال المعاصرة للكتاب الإيرانيين لا تعبّر إلا عن الكبت الجنسي، وتشجع على عدم التقوى، وبأن الكتـّاب المعاصرين إما جواسيس للغرب أو مدمنون على المخدرات أو شاذون جنسياً، ومن واجب كل مسلم أن يحلّ دم هؤلاء، وقراءة أعمالهم خطيئة كبيرة. لكن الكاتب يقنع نفسه، بأن الرقابة مهما كانت شديدة، فإنها تجعل الكاتب يتفادى السطحية ويغوص في طبقات أعمق من الإبداع.
ممنوع على شخصيات العمل الأدبي أن يشربوا الكحول. ممنوع أن يختلي البطل مع البطلة. كما أن الثورة الإسلامية الإيرانية حظـّرت كل أنواع الموسيقى… لقاء رجل وامرأة سيكتب على الشكل التالي: يقول الرجل: أنذهب. تجيب المرأة: هيا بنا نذهب.
إن كل وصف عاطفي وجنسي لعلاقة رجل بامرأة يقصه مقص الرقيب، فكيف سيزدهر الأدب وكيف سيكتب الكاتب الإيراني قصة حب. ما ينطبق على الأدب ينطبق كذلك على كل الفنون، خاصة السينما، مثلاً فيلم «عطر امرأة» لآل باتشينو، سُمي في إيران عطر حواء، لأن اسم حواء له مسحة دينية، وتم تحوير مشاهد كثيرة من الفيلم، خاصة الرقصة البديعة التي يؤديها آل باتشينو الأعمى مع الشابة رائعة الجمال. ومقص الرقيب يقص الأذرع والسيقان والنهود في الأفلام، وثمة وصف بديع في الرواية عن مخرج إيراني تمكن من التعبير عن حب كبير بين رجل وامرأة مستعيناً بعصفور، وسأنقل المقطع كما هو: «العصفور كان أفضل ممثل في الفيلم، تخيل أنك عصفوراً لا حول لك ولا قوة، بين يدي رجل وامرأة يشتهي أحدهما الآخر على نحو يائس، لكن ممنوع أن يلمس أحدهما الآخر، فيتناوبان على مداعبة عصفور، ويمر الوقت وتبدأ الهرمونات المستترة ترشح وتنضج، وهما يواصلان مداعبة العصفور». هذا المقطع يعكس بشكل فاضح ورائع وعميق حقيقة الرقابة في إيران، وحقيقة مقص الرقيب، إنه مقص لتشويه الإنسان ولقص المشاعر والرغبات، والتوق الطبيعي بين رجل وامرأة.. من جهة أخرى هناك تزايد مذهل في طبقة الشبان المتعاطين للأفيون، وارتفاع كبير في عدد المومسات الإيرانيات، اللاتي يعملن خاصة في دول الخليج! فأين حملات مكافحة الفساد الاجتماعي؟
بتروفيتش، أي الرقيب يتحول إلى شريك للكاتب في كتابة الرواية، وحالة الرقابة الفظيعة هذه تجعل المجتمع حزيناً وغاضباً وعنيفاً، لأن هناك إعاقة لعيش المشاعر على طهارة وبساطة حقيقتها، ففي إيران هناك عنف مروع، والكل يعبّر باستمرار عن إحساسه بكراهية الآخر، كما لو أن كل واحد يريد أن يقص الآخر بمقص الرقيب. إن الإنسان السعيد غير عنيف، والإنسان التعيس عنيف، هذه الحقيقة البسيطة بالغة الأهمية، ولا ينتبه لها الحكام، أم أنهم ينتبهون ويتجاهلونها. إن حيازة كتب مهمة ممكن أن تؤدي إلى السجن، فالكتب التي تباع، والتي يروج لها النظام الإيراني من نوع (الدليل الإسلامي إلى الجنس – السيرة الذاتية لمرتزقة صدام حسين – الكتاب الأخضر لمعمر القذافي) وهكذا… أما سارا التي أرادت شراء رواية «البومة العمياء» التي كتبها الكاتب الإيراني صادق هدايات، الذي انتحر في باريس، فإن هذه الرواية ممنوعة ويمكن أن تسجن سارا لو اكتشف الرقيب أنها اشترتها.
إن الجامعة هي المكان الذي يتعرض لأقسى أنواع الاضطهاد وقمع الحريات، وليس خافياً على أحد، الإعدامات الكثيرة التي تعرض لها طلاب وطالبات جامعيين طالبوا بالحرية..
حب مكبوت وصامت ومقهور، هذا هو شكل الحب بين سارا ودارا، هذا هو شكل الحب في إيران، حيث مقص الرقيب مسلط على اللسان والنظرة واللمسة والكلمة، حيث كل شيء يمكن أن يكون خطيئة، فربطة العنق أشبه بسهم يشير إلى عضو الرجل! لذا هي ممنوعة في إيران أو غير محبذة! حتى حجاب الرأس والشادور الذي تلبسه الإيرانيات له قصته، ففي قديم الزمان حين حُكمت إيران بملوك ديكتاتوريين، أرادوا فرض إرادتهم على إيران لتكون مثل الغرب، فأمروا بحظر اللباس الإسلامي أو الحجاب، وأمرت الإيرانيات بخلع غطاء الرأس، وكانت الشرطة تضرب النساء ليخلعن الحجاب، وبعد الثورة الإسلامية، صارت الشرطة تضرب النساء ليلبسن الحجاب… لكن الشعار الذي بقي من كل ذلك هو (غطاء الرأس أم صفعات على الرأس).
أين كرامة المرأة الإيرانية التي تـُضرب من أجل وضع أو خلع الحجاب؟ أي جرأة رائعة صرخت بها فروغ فرخ زاد الشاعرة الإيرانية حين قالت (أثمت إثماً مشبعاً باللذة)، عبارة كافية لزلزلة كل مقصات الرقباء… وكل تلك الأخلاق اللاإنسانية المضطهدة للإنسان رجلاً أو امراة.
الرواية ملحمة في رهافة الروح الإنسانية التواقة للحرية والحب والعيش السعيد، الذي لا يكتمل إلا بالحرية، وبلقاء قطبي الكون الرجل والمرأة، وبالموسيقى وبالفن بكل أشكاله… الرقيب الذي لا يفارق عقل الكاتب، ولا قلمه، يصبح بطلاً في الرواية، وفي الصفحات الأخيرة يصعقنا الكاتب بنهاية مذهلة، إذ إن الرقيب وقع في حب سارا، وطلب من الكاتب أن تكون سارا له وحده، وأن يتخلص من حبيبها دارا، ومن خطيبها المليونير سندباد.. لكن الكاتب يشعر بأن خيط الرواية أفلت من يده، كما لو أنه من المستحيل أن تكتب قصة حب إيرانية، لأنه مستحيل أن يخلق حُب معافى وسليم في أجواء خانقة ومهينة للإنسان كإيران.. لكن أكثر ما أحببت ثقافة الكاتب التي تتجلى بين صفحات الرواية، ثقافته الأدبية والسينمائية والموسيقية، تلك الثقافة التي يوظفها بذكاء دون غرور، أو استعراض كعادة الكثير من الكتاب، كم هو جميل استشهاده بقول للناقد نابكوف: ولد الأدب في اليوم الذي جاء فيه فتى يصيح ذئب ذئب، ولم يكن هناك ذئب وراءه.
وبعد من الصعب الإحاطة بعمل هام كرواية «قصة حب إيرانية تحت مقص الرقيب»، لكنني أتفق مع الكاتب أن لا شيء في العالم، ومهما كانت الرقابة وحشية وخانقة ومستبدة فإنها لا تستطيع منع ولادة أدب عظيم وفن عظيم. أي وصف أروع من وصف دارا لقدمي حبيبته سارا التي لم يلمسها قط (عرقان يبرزان عند كاحلي سارا، نهرا دجلة والفرات اللذان علـّما الرجل عذاب الفراق). أو وصف عينا سارا تشتعلان بالحب والرغبة دون أن تجرؤ على لمس دارا المذعور بدوره من لمسها. (نظرة برقت في عينيها، هي ذاتها نظرة برقت في عيون نساء محبات للحرية يحترقن تحت تعذيب الشرطة السرية، بالحديد والنار، النظرة نفسها التي التمعت في عيني أم تلقت رفات ابنها الذي استشهد في الحرب، النظرة ذاتها التي التمعت في عيون صبية ستكتب ذات يوم أجمل قصة حب إيرانية. أختم بعبارة وردت في الرواية تمثل رؤية الكاتب «في بعض الأحيان تشعر بالسعادة من أعماق قلبك لأنك خاسر، وفي بعض الأحيان تشعر بالحزن من أعماق قلبك لأنك منتصر». ليت الحكام المستبدون أصحاب المقصات يدركون أنهم الخاسرون دوماً، وبأن التاريخ سيقصهم بمقص الحرية الذي تملكه الشعوب.
«قصة حب إيرانية تحت مقص الرقيب» / الكاتب: شهريار مندين بور
الناشر: منشورات الجمل ـ 2011 / ترجمة: خالد جبيلي.
كاتبة من سوريا