اُعلن، عند منتصف نهار أمس، بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
كان جيش الاحتلال الإسرائيلي، قبل ساعات من ذلك، يسابق الوقت لقتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، وليثبت، على الأغلب، صعوبة انفصاله عن وظيفة الإبادة الجماعية للفلسطينيين وعن التغوّل الوحشيّ الذي انهمك بممارسته على مدار أكثر من سنتين.
استهدف جيش «الدفاع» المزعوم مدنيين عزّلا كانوا يحاولون العودة إلى منازلهم في المدينة المنكوبة فقتل 17 في غزة، و9 في محافظة خان يونس، وجرح أكثر من 450، وفقد إثر القصف ما يزيد على 40 مواطنا، وتم انتشال 16 آخرين من مناطق متفرقة في القطاع كانوا قد سقطوا في استهداف سابق.
استقبل الغزيون بدء سريان الاتفاق بمزيج من الفرح والأسى. الفرح لأنهم ما زالوا أحياء، وتغلّبوا على الكابوس المديد الذي فقدوا الأمل بانقضائه، والأسى لأنهم فقدوا أحباء، وخسروا بيوتا وأرزاقا وأشجارا، ولا يعلمون بعد ما هو مقدّر لهم في المستقبل.
في لقاء لمراسل وكالة أنباء مع سائق سيارة أجرة على شاطئ غزة قال: «البحر نفسه تعب من سماع أصوات الانفجارات، واليوم حين عدت إليه بكيت طويلا»، معقّبا: «نريد سلاما حقيقيا لا استراحة قصيرة قبل الحرب القادمة»، وهو ما تردد في حديث معلمة لغة عربية فقدت زوجها المسعف، ولم يعثر على جثمانه بعد بقولها: «تختلط في قلبي مشاعر كثيرة. الفرح والحزن والأمل واليأس. أتمنى أن يكون هذا الاتفاق بداية جديدة لا مجرد هدنة فقط. أريد فقط أن يعيش أطفالي أياما بلا خوف».
ما يُنتظر الآن، مع سريان الاتفاق، وتوقّف قصف الطائرات والمسيّرات والمدافع الإسرائيلية، أن يعود مئات السجناء الفلسطينيين إلى أهاليهم، وتتدفق المساعدات إلى القطّاع المدمّر، وأن يشعر الفلسطينيون بالأمان، ليس بشكل مؤقت، ولكن بشكل دائم.
من بدء «اتفاق شرم الشيخ» إلى إنهاء الحرب بشكل دائم هناك طريق صعب ومفاوضات شائكة، ومخاوف منطقية من الأساليب الملتوية لإسرائيل، والتي خبرها الفلسطينيون على مدى عقود، كما يختبرها اللبنانيون والسوريون حاليا، في شكل امتناع عن الانسحاب من مناطق استعصت فيها، ومن توغّلات مستمرة واغتيالات متواصلة، كما يشهدها الفلسطينيون في الضفّة الغربية، بأشكال مريرة.
هناك، مع ذلك، إمكانيات مفتوحة لأن يتحوّل مشروع تحويل اتفاق وقف إطلاق النار إلى مشروع كبير لإنهاء الحرب في غزة إلى منطلق لتغيّرات على المستوى الداخلي الإسرائيلي، كما على مستوى الوضع في الضفة الغربية، وسوريا ولبنان، والمنطقة العربية عموما.
يتعلّق الأمر، بداية، بوصول التغوّل الإسرائيلي إلى أقصى امتداد ممكن، مع الإبادة الجماعية التي شهدها القطاع، والتغوّل السياسي ـ العسكريّ في الساحات الفلسطينية، والعربية، وصولا إلى المواجهات التي لم تنقطع في جامعات وشوارع الكثير من بلدان العالم، ومنصّات الأمم المتحدة، ومحكمتي العدالة والجنائية الدوليتين الخ.
استخدمت إسرائيل عمليا، وبالمشاركة مع الولايات المتحدة، أقصى الخيارات العسكرية والسياسية الممكنة، في غزة أولا، وثانيا وثالثا، ثم في باقي المنطقة والإقليم، مع الحرب ضد إيران، والصراع المفتوح مع الحوثيين في اليمن، والتدخّلات الفاجرة في سوريا ولبنان، وصولا إلى ضربتها البائسة في قطر وحتى تعرّضها لسفن «أسطول الصمود» في المياه الإقليمية لتونس.
لقد دفعت غزة، عمليّا، الثمن الأكثر قسوة وفظاعة وهولا عن باقي العالم، فمرّت بأطوار الإبادة الجماعية، وإرهاب الدولة الممنهج، والتهجير الإجرامي لعديد المرات، والتجويع، والقصف الذي لم يتوقّف على مدار 734 يوما. لقد دفعت، سلفا، وعن الجميع، ثمن سلامة أبنائها المنشودة، ومستقبلها المأمول، وصار العالم ملزما، اليوم وغدا، بتحويل وقف إطلاق النار إلى نهاية للحرب.