لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعده جون هندريكس قال فيه إن رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، لم يغادر أبدا الشرق الأوسط وهناك احتمال الآن لأن يدير غزة، ضمن خطة الرئيس الأمريكي التي أعلن عنها بعد اجتماعه يوم الإثنين برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض.
وقد مضت ثلاثة عقود وعاش عدد لا يحصى من الرؤساء الأمريكيين في البيت الأبيض ثم غادروه وجاءت أعداد من الدبلوماسيين الذين أحرقوا جهودهم ثم ذهبوا، منذ تولي بلير الحكم في بلاده عام 1997، كرئيس وزراء طامح. وها قد عاد الآن، رجل في الـ 72 من عمره، لعب دورا في التخطيط لإعادة بناء وحكم غزة بعد أن تتوقف المواجهات بين حماس وإسرائيل، وذلك حسب مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين على معرفة بالنقاش.
وجرى الإعلان عن خطة لما بعد الحرب أسهم بلير في إعدادها ورسمها.
ويتجسد مخطط بلير، من بين أمور أخرى، في الخطة المكونة من 20 نقطة لإنشاء “هيئة دولية جديدة” لإدارة غزة على أساس انتقالي. وسيترأس ترامب ما يسمى بـ”مجلس السلام”، وسيكون بلير عضوا فيه، إلى جانب “أعضاء ورؤساء دول آخرين سيتم الإعلان عنهم”. وسيشرف المجلس على مجموعة تنفيذية من الإداريين والتكنوقراط الفلسطينيين المسؤولين عن إدارة شؤون القطاع اليومية، ثم يسلم الحكم في نهاية المطاف إلى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
سيكون المجلس مسؤولا أيضا عن اتخاذ قرارات استراتيجية ودبلوماسية واسعة النطاق، والتنسيق مع إسرائيل ودول الخليج العربية المتوقع أن تمول جزءا كبيرا من جهود إعادة إعمار غزة
ووفقا للخطة، سيكون المجلس مسؤولا أيضا عن اتخاذ قرارات استراتيجية ودبلوماسية واسعة النطاق، والتنسيق مع إسرائيل ودول الخليج العربية المتوقع أن تمول جزءا كبيرا من جهود إعادة إعمار غزة، والإشراف على الأمن من خلال قوة دولية لتثبيت الاستقرار تشرف على الشرطة الفلسطينية المحلية.
ويقول هندريكس إن دور بلير في خطط ما بعد الحرب، أثار استياء واسعا بين الفلسطينيين، الذين يتذكرونه إلى حد كبير كمشارك في حرب العراق التي قادتها الولايات المتحدة، والذي انحاز باستمرار إلى إسرائيل طوال مسيرته المهنية الطويلة.
ويعلق هندريكس أن ظهور بلير مجددا في قلب مناورات الشرق الأوسط يعد فصلا آخر بارزا في علاقة بلير بالمنطقة، حيث تعامل مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني كرئيس وزراء بريطاني، ومبعوث للأمم المتحدة ومستشار خاص ووسيط ظل، رافضا التخلي عن المنطقة وصراع مستعص.
ونقلت الصحيفة عن إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق قوله في مقابلة أجريت معه يوم السبت: “لطالما كرس جزءا من جهده لمشروع تهدئة هذا الصراع الذي لم ينجز بعد”. وأضاف: “يبدو وكأنه لم يرحل أبدا”.
وعليه، لا يثير ظهور بلير مجددا في وسط مفاوضات غزة دهشة من تابعوا مسيرته المهنية. بدءا من دوره في اتفاقيات “الجمعة العظيمة” عام 1998 التي أنهت العنف الطائفي في أيرلندا الشمالية. في بداية رئاسته للوزراء، احتضن بلير أشد الصراعات تعقيدا، بما في ذلك حشده لحلفاء الناتو للتدخل العسكري في كوسوفو بعد عام. وقال كاتب سيرته جون رينتول: “هناك جانب قوي في شخصيته، هذا النوع من الثقة الهائلة بقدرته على حل أصعب المشاكل في العالم” و”هو مستعد للتحدث إلى أي شخص، إحدى نقاط قوته هي أنه غير عاطفي إلى حد كبير بشأن العمل مع أشخاص يكرههم”.
وظل بلير معروفا جيدا لجميع الأطراف في إسرائيل والمناطق الفلسطينية، ولكنه لم يكن محبوبا على نطاق واسع. وبالنسبة لمؤيديه (ولديه الكثير في إسرائيل)، فهو وسيط موثوق به ينظر إليه على أنه مفيد في إجبار نتنياهو على قبول بعض الشروط، مثل المشاركة الفلسطينية في إدارة غزة، التي ستثير غضب الصقور الإسرائيليين. قال باراك: “لا يمكن للإسرائيليين أن يتقبلوا بسهولة فكرة أن السلطة الفلسطينية سيكون لها أي دور على الإطلاق” و”يمكن تعديل ذلك إلى حد ما بوجود شخص مثل بلير في الوسط. إنهم يحترمونه”.
ظل بلير معروفا جيدا لجميع الأطراف في إسرائيل والمناطق الفلسطينية، ولكنه لم يكن محبوبا على نطاق واسع. وبالنسبة لمؤيديه (ولديه الكثير في إسرائيل)، فهو وسيط موثوق به ينظر إليه على أنه مفيد في إجبار نتنياهو على قبول بعض الشروط
ومع ذلك، فإن سمعة بلير بين الفلسطينيين تظل أكثر تباينا بكثير. فقد حافظ بلير على موقف بريطانيا التقليدي المتمثل في دعمها الثابت لإسرائيل، لكنه دعا إلى تسوية تفاوضية دائمة للصراع، تضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل آمنة. لكن منتقدين فلسطينيين يقولون إنه انحاز باستمرار إلى إسرائيل، وإن سنوات اهتمامه الطويلة بالقضية لم تسهم في دفع حل الدولتين الذي دعا إليه. ورفض القيام بما فعله رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الأسبوع الماضي بالاعتراف رسميا بدولة فلسطينية ذات سيادة.
ومن هنا أثار تفويض بلير، مهما كان نوعه، أي في منصب حاكم غزة، استياء الكثيرين، لا سيما بالنظر إلى دوره في شن غزو العراق عام 2003 مع الرئيس جورج دبليو بوش، بناء على تقارير كاذبة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية.
كما أن الدور التاريخي لبريطانيا في إدارة المنطقة بموجب تفويض من عصبة الأمم في السنوات التي سبقت قيام إسرائيل لا يُساعد في هذا الوضع.
وقال مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية: “لقد كنا تحت الاستعمار البريطاني بالفعل. لديه سمعة سيئة هنا وإذا ذكرت توني بلير، فأول ما يتبادر إلى ذهن الناس هو حرب العراق”.
وقال مسؤول إسرائيلي مطلع على المناقشات، والذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته: “لقد دمج ترامب بعض أفكار بلير في خطته للسلام”. يجب أن يكون شخصا مقبولا لدى جميع الأطراف. الإسرائيليون يعجبون بتوني بلير حقا. كما وتتسم علاقات بلير بنتنياهو بالودية.
وروج بلير للعديد من الأفكار التي وردت في الخطة منذ بداية الحرب، التي بدأت بعد هجوم حماس في تشرين الأول/أكتوبر 2023. ومن المعروف أنه استشار بشكل متكرر صهر ترامب، جاريد كوشنر، وهو محاور رئيسي مع كل من مستشار نتنياهو الرئيسي، رون ديرمر، وقادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
وقد ترددت شائعات عن توليه أدوارا قيادية بعد الحرب من قبل. ففي أوائل الربيع، أشارت وثائق وزعها الأمريكيون والإسرائيليون لوضع خطط لمؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل والذي بدأ في أيار/مايو، إلى بلير كشخصية رئيسية، وربما حتى رئيسًا، للجنة دولية من شأنها الإشراف على المبادرة وإضفاء مصداقية عليها.
وقال المخططون إنه مع موظفين من معهد توني بلير للتغيير العالمي شاركوا في عدد من الاجتماعات مع المجموعة قبل أن يتراجعوا في النهاية عن المشروع المثير للجدل. كما أشارت تقارير إخبارية خلال الصيف إلى مشاركة بلير ومعهده في ما أصبح مثيرا للجدل بنفس القدر من التخطيط لما بعد الحرب، والذي تضمن اقتراحا بنقل جزء كبير من سكان غزة إلى دول أخرى. وصرح المعهد لاحقا بأنه شارك فقط “كمستمع”.
وأفاد دبلوماسي في المنطقة مطلع على المناقشات الأخيرة أن موقف بلير المستقبلي، إلى جانب بنود رئيسية أخرى، لم يحسم بعد. ويبقى أحد أكبر نقاط الخلاف هو الدور الذي ستلعبه السلطة الفلسطينية في غزة بعد خروج حماس من السلطة. وقد أصر نتنياهو على ألا يكون للسلطة أي دور، بينما اعترض عباس على وجود أي سلطة حاكمة غير فلسطينية في القطاع.
وتظل مقترحات بلير ليست سوى واحدة من المخططات التي تدفع بها أطراف مختلفة، بما في ذلك مشروع إعادة إعمار بقيمة 53 مليار دولار أقرته جامعة الدول العربية.
عودة بلير إلى الواجهة تحمل الكثير من المخاطر، وبخاصة أنها ستربطه بترامب الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته
وفي تقرير لصحيفة “التايمز” قالت عن عودة بلير إلى الواجهة إنها تحمل الكثير من المخاطر، وبخاصة أنها ستربطه بترامب الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته. وأشارت في تقرير أعده أوليفر رايت وستيفن سوينفورد إلى أن عودة بلير “طال انتظارها”، حيث مر ما يقرب من عقدين من الزمن منذ تعيينه مبعوثا للأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط، بدعم من القوى الغربية، بعد فترة وجيزة من تنحيه عن رئاسة الوزراء. وقد باءت جهوده لإحلال السلام بالفشل وبحلول عام 2015، استقال بلير بينما بدأت حكومة إسرائيلية جديدة بقيادة بنيامين نتنياهو تحركها نحو إحباط خارطة الطريق للسلام، المدعومة دوليا منذ فترة طويلة. ومنذ ذلك الحين، كافح بلير لإيجاد تعريف وهدف له على الساحة العالمية، لكنه حافظ على علاقات وثيقة جدا مع اللاعبين بالمنطقة.
وأعادت هذه الاتصالات بلير إلى الواجهة من عزلته. وينظر إليه على نحو مهم كشخصية جديرة بالثقة من قبل إدارة ترامب، بعد أن أصبح مقربا من صهر الرئيس ترامب، جاريد كوشنر والسلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى الوسطاء الأثرياء في الخليج الذين سيكونون حاسمين في تمويل إعادة إعمار غزة.
وقبل إعلان يوم الاثنين، كان بلير يعمل جاهدا لأشهر على خطة سلام وإعادة إعمار غزة، قدمها إلى ترامب خلال الصيف، والتي أقرها الرئيس الآن. كما تحظى هذه الخطة بدعم قادة الخليج وإسرائيل، في خطوة تهدف إلى عزل حماس وتوفير سبيل للمضي قدما في إعادة إعمار غزة.