منذ صدورها عن دار الشروق في القاهرة (2023)، لم تحظَ رواية «حامل الصحف القديمة» للكاتب إبراهيم عبدالمجيد بما تستحق من اهتمام نقدي، على الرغم من ثرائها الفني وغناها الدلالي، وارتباطها بزمن شديد الالتباس في تاريخ مصر المعاصر، مرحلة ما بعد ثورة يناير/كانون الثاني، وصولا إلى سنوات وباء كورونا.
تبدو الرواية، في ظاهرها، شهادة شخصية وسياسية، وامتدادا لمقالات كتبها المؤلف ونشرها، غير أن إعادة توظيف تلك المقالات داخل بناء روائي متماسك، جعل من النص عملا فنيا يزاوج بين السيرة الذاتية المقنّعة، والتخييل، والنوستالجيا، والفانتازيا، وينفتح على أسئلة أعمق تتعلق بالذاكرة والكتابة، والخذلان والأمل.
دلالة العنوان
إن «حامل الصحف القديمة» بمثابة مفتاح تأويلي فهذا الرجل العجوز، بلا اسم ولا هوية واضحة، يتنقل بين المقاهي حاملا صحفا قديمة لن يشتريها منه أحد، لذلك فهو حامل للصحف وليس بائعا لها، هذا الرجل ليس شخصية ثانوية، بل رمز جماعي، يمكن أن يُقرأ بوصفه صورة للمثقف الذي لم يعد يملك سوى التمسك بماضيه، فضلا عن كونه استعارة عن مجتمع كامل يعيش عاجزا عن مواجهة الحاضر، فينشغل باجترار الماضي، وقد يكون قرينا للكاتب نفسه، وربما اختراعا سرديا يتيح له أن يحاور ذاته.
هكذا يحمل عنوان الرواية ثراء دلاليا يتجاوز البساطة الظاهرة. فهذه الصحف القديمة قد تُقرأ أولا بوصفها أوراقا فقدت صلاحيتها ولم تعد قادرة على تقديم معرفة جديدة، أيضا يمكن أن تكون هي الذاكرة نفسها، سيل من الأخبار التي صارت تاريخا، ومن الأوهام التي تكشفت حقيقتها مع مرور الوقت، هكذا تصبح علامة على مفارقة عميقة، ما نراه اليوم جديدا هو في جوهره نسخة معادة ومتكررة من أخبار الأمس، وكأن الزمن في مصر بعد يناير محكوم بدائرة مغلقة من الخيبات. بهذا المعنى، فإن الصحف القديمة تصبح أداة تذكّر وانتقادا معا، التذكّر لأنه يعيد القارئ إلى أحداث مفصلية من ثورة يناير وما بعدها، والانتقاد لأنه يكشف عجزنا عن تجديد وعينا، فنظل أسرى الماضي، وكأننا لا نملك سوى إعادة قراءة ما فات.
الزمن المزدوج:
إطار الرواية الزمني المباشر هو جائحة كورونا، لكن الكاتب يستخدمها كخلفية مشوبة بالقلق والرعب. في موازاة ذلك، يستدعي ماضيه عبر مقالات قديمة ينشرها الراوي، لتصبح حلقة وصل بين زمن الجائحة والتاريخ الشخصي والجمعي، يتكشّف بواسطتها الحاضر السياسي والاجتماعي، فيكشف النص عن تداخل الأزمنة، بحيث يبدو الماضي ماثلا في قلب الحاضر، بينما المستقبل يظل محاصرا بالخيبات. وتعتمد بنية الرواية على دوائر زمنية متشابكة، فتتقاطع فيها ثنائية الماضي/الحاضر، وتُلمَّح إلى المستقبل عبر التوقعات والخيالات، ويستعمل الكاتب تقنيات الاسترجاع (الفلاش باك) والاستباق (الفلاش فوروارد) ليؤسس لعبة زمنية معقّدة، فالماضي لا يغيب، والحاضر مشوب بالذكريات، والمستقبل غامض، هكذا يتشظى الزمن ليعكس الحيرة والارتباك اللذين عاشتهما شخصيات الرواية والمجتمع كله، في زمن الجائحة وما تلاها من ارتدادات سياسية واجتماعية. واللافت أن النص يحفل بإشارات زمنية دقيقة، تواريخ، شهور، أيام، مواقيت رمزية (رمضان، السادس من أكتوبر)، بما يجعل الزمن نفسه شخصية سردية فاعلة، فالحاضر هو زمن العزلة في الموجة الأولى من وباء كورونا، حيث يعيش «إيمان الناظر» أسير البيت والخوف والمرض، يتداخل مع الماضي القريب، زمن الثورة، وما أعقبها من تحولات سياسية واجتماعية. والصحف القديمة، التي يحملها الرجل العجوز، هي الوسيط الذي يسمح بفتح قنوات الذاكرة. في لحظة مواجهة الموت الجماعي (كورونا)، يستحضر البطل والمجتمع بأسره تجارب موت أخرى: موت الثورة، موت السياسة، موت الأمل. هكذا يصبح الزمن خطّا دائريا، إذ يطل الماضي من شرفة الحاضر، والحاضر لا يمكن فهمه إلا بعودة موجعة إلى الماضي.
المكان باعتباره ذاكرة
يقدّم إبراهيم عبدالمجيد المكان باعتباره ذاكرة متجسّدة، ولم يجعله إطارا محايدا للأحداث، بل هو شريك للزمن في صناعة المعنى، من وسط القاهرة ومقهى البستان، إلى شوارع وسط البلد، والإسكندرية، وقرى الساحل الشمالي،، ثم حدائق الأهرام، حيث يعيش البطل في عزلة بعيدة عن مركز الأحداث. فتتنقل الشخصيات بين أماكن مشبعة بالذاكرة. تستدعي البدايات الجميلة التي يطولها القبح؛ والمقهى هنا ليس مجرد مكان، بل يمثل فضاء اجتماعيا وثقافيا، يتجاوز كونه موقعا عابرا. ومن ثم فإن جلوس إيمان الناظر ورفاقه في المقهى هو في جوهره عودة إلى فضاء «المنتدى الشعبي»، البديل عن المؤسسات الرسمية، والمكان الذي يشبه المرآة التي تعكس وجوه الناس وأحاديثهم، في الرواية، يصبح رمزا للألفة في مواجهة «حبسة كورونا»، إنه فضاء يوازي وظيفة «الصحف القديمة» نفسها، كذاكرة جمعية.
تفكيك الحدود
من أبرز سمات هذا النص قدرته على تفكيك الحدود بين المقال السياسي والرواية، فقد استعار الكاتب مقالات سبق أن كتبها ونشرها، لكنه لم يُدخلها كنصوص جاهزة، بل أعاد صياغتها داخل حوارات درامية بين «إيمان الناظر» وصديقه حامل الصحف، هذه الحوارات من ناحية أخرى تضاعف لعبة الالتباس بين الكاتب الحقيقي (عبدالمجيد) والشخصية الروائية (إيمان الناظر)، بهذا الشكل يصبح النص نفسه هجينا، يخلط بين السرد الروائي، والمقال، والنوستالجيا الشخصية، والفانتازيا الساخرة. وهذا الهجين يمنح النص قوة مضاعفة، لأنه يحاكي طبيعة المرحلة ذاتها، كونها ملتبسة، غير مستقرة، مشوشة.
نوستالجيا وفانتازيا
هناك حالة نوستالجيا كثيفة تغمر الرواية، ففيها حنين إلى الأغاني القديمة، وإلى انتصارات أكتوبر/تشرين الأول التي ما تزال الذاكرة الجمعية تستعيدها، وإلى حلم يناير الذي تلاشى، وأيضا إلى الإسكندرية الجميلة قبل أن تلتهمها العشوائية. لكن هذه النوستالجيا ليست مجرد حنين بريء، بل هي موقف نقدي، إذ تكشف أن الماضي لم يكن جميلا في ذاته، بل صار جميلا لأن الحاضر أكثر قبحا. وهنا تكمن مأساة النوستالجيا، أنها لا تحيي الماضي، بل تفضح الحاضر وترفضه وبالتالي تدعو من طرف خفي إلى مقاومته.
هذه المقاومة يمارسها النص عبر الفانتازيا والسخرية، فعلى الرغم من واقعية الأحداث، إلا أن النص يتخلله بُعد فانتازي، فنرى الزوجة الميتة التي تصرّ على المشاركة في الانتخابات، والخيالات التي تقترب من الكوميديا السوداء، بل شخصية حامل الصحف ذاتها. وإلى جانب الفانتازيا، هناك حضور طاغٍ للسخرية. فالكاتب يسخر من البيروقراطية والفساد، ومن خطاب التخوين والتكفير، ويتهكم على القمع، ويضحك من الواقع حتى لا يستسلم له.
هل الكتابة عبث أم خلاص؟
من بين الأسئلة الجوهرية التي تثيرها «حامل الصحف القديمة» سؤال الكتابة وجدواها، أهي فعل عبثي بلا جدوى، أم أنها خلاص الفرد والمجتمع من العبث؟ يظهر ذلك جليا في شخصية إيمان الناظر، الذي يقرر اعتزال الكتابة لأنه يرى أنها لم تغيّر شيئا في الواقع، وأنها لم تمنع الثورة من الانكسار ولا القمع من العودة ولا الفساد من التغلغل. هذا الموقف يعكس شعور شريحة واسعة من المثقفين بعد يناير، حين اكتشفوا أن الكلمة، مهما كانت صادقة، لم تستطع أن تواجه آلة الدولة العاتية أو أن تحمي الحلم من الانطفاء. لكن النص يعيد مساءلة هذا الموقف من الداخل، إذ تتسلل الصحف القديمة، بما تحمله من مقالات سابقة للكاتب، إلى قلب الحكاية، فيجد البطل نفسه مضطرا للعودة إلى الكتابة، حتى وهو مقتنع بعدم جدواها. هنا تكمن المفارقة: البطل يهرب من الكتابة بينما الكاتب يكتب رواية كاملة عن هذا الهروب، وكأن السرد يبرهن، أن الكتابة تظل ممكنة حتى عندما يُعلن موتها، وأن النصوص تولد من رحم الإحباط واليأس.
في هذا السياق، يمكن أن تُقرأ الرواية بوصفها سجالا داخليا بين إبراهيم عبد المجيد الكاتب/الإنسان الذي عاش خيبة ما بعد يناير، وبينه كروائي لا يستطيع التخلي عن فعل الكتابة. الأول يصرّح بمرارة أن الكلمات لم تعد تنقذ، والثاني يبرهن، عبر بناء روائي متماسك، أن الكلمات ما تزال قادرة على منح المعنى، على الأقل كملاذ فردي.
الرواية إذن تقول لنا، حتى لو كانت الكتابة عاجزة عن تغيير الواقع تغييرا مباشرا، فإنها تمنحنا القدرة على مواجهة هذا الواقع دون أن ننهار، وتتيح لنا أن نصوغ الخيبة في لغة، وأن نحفظ التجربة من النسيان. إنها ليست فعلا سياسيا مباشرا بقدر ما هي فعل مقاومة للعدم، وإعادة تأكيد للإنسانية وسط الانكسار
وأخيرا فإن «حامل الصحف القديمة»، ورغم كل ما تكشفه من واقع مأزوم، وما تحمله من نقد سياسي واجتماعي لاذع، فإنها تترك باب الأمل مواربا، عبر إمكانية الحب كقوة مقاومة، وإمكانية الكتابة كفعل خلاص، وإمكانية أن يتحول «إنقاذ منيرة» إلى رمز لإنقاذ الوطن ذاته. والأهم أن الرواية تذكّرنا بأن الذاكرة ليست لعنة مطلقة، بل يمكن أن تكون أيضا طاقة للإنقاذ. فالصحف القديمة ليست مجرد أوراق صفراء؛ إنها سجل لمعاناة وأحلام، وإذا قرأناها بوعي يمكن أن تساعدنا في فهم الحاضر وتغيير المستقبل.
كاتب مصري