لندن- “القدس العربي”:
بعد رحلة النصر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إسرائيل ومصر وتوقيعه اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بحضور زعماء العالم في شرم الشيخ، بدأ ترامب يتحدث عن توسيع أحلام السلام لتشمل إيران وتغيير مسار الشرق الأوسط، تماما كما تحدث قادة إسرائيل خلال العامين الماضيين، لكن العرب يرون أن تحقيق هذا الحلم يظل بعيد المنال.
وفي تقرير أعده كل من إيساك أمسدورف ومايكل بيرنباوم وكلير باركر ونشرته صحيفة “واشنطن بوست” قالوا فيه إن الرئيس احتفل يوم الاثنين بنهاية الحرب المدمرة ضد غزة والإفراج عن سراح الأسرى المتبقين لدى حماس بالدعوة إلى سلام دائم يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط بأكمله، بشكل يؤكد مكانته في التاريخ. إلا أن هشاشة وقف إطلاق النار وصعوبة حل النزاعات الكامنة بدت واضحة في زيارتيه المنفصلتين.
ففي إسرائيل، استقبل ترامب الأسرى المفرج عنهم والتقى بعائلاتهم، ولقي ترحيبا وتصفيقا حارا من القادة الإسرائيليين، الذين حثهم على إعلان النصر ووقف القتال. بعد ذلك، توجه إلى منتجع شرم الشيخ المصري لزيارة القادة العرب وقادة العالم الذين أيدوا وقف إطلاق النار وخطة ترامب المكونة من 20 نقطة للتوصل إلى تسوية دائمة.
وعلى الرغم من وصف الاجتماع بأنه “قمة سلام”، إلا أن اجتماع مصر افتقر بشكل ملحوظ إلى أي من طرفي القتال. رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعوة ترامب في اللحظة الأخيرة، قائلا إن السفر سيتعارض مع عطلة يهودية، بعد أن اعترض زعيم عربي واحد على الأقل. ولم يتم تضمين حماس مطلقا، ورفضت الحركة نزع سلاحها، كما تتطلب خطة ترامب.
ومع ذلك، صوّر ترامب ما حدث يوم الاثنين بأنه بداية لإعادة تشكيل جديدة للمنطقة، وعبّر عن أمل بتوسيع اتفاقيات إبراهيم التي وافقت فيها دول عربية على إقامة علاقات مع إسرائيل عام 2020، وتحدث بأمل عن انضمام إيران التي قصف بنفسه برنامجها النووي في حزيران/يونيو. وقال أمام الكنيست الإسرائيلي: “لقد انتهت هذه الحرب الطويلة والصعبة والتي يقول البعض إن عمرها 3000 عام. وآخرون يقولون 500 عام، وأيا كان، فإنه يوم عظيم لهم جميعا”. وأضاف: “هذا فجر تاريخي لهم جميعا”.
وقد تبع الإعلان عن وقف إطلاق النار في الحرب التي قتل فيها أكثر من 67,800 فلسطيني معظمهم من النساء والأطفال، تبادل الاسرى، حيث أفرج عن 20 أسيرا إسرائيليا مقابل نحو 2000 أسير فلسطيني بعضهم يقضي أحكاما بالسجن المؤبد.
وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب انتهز الغضب في المنطقة ضد ما فعلته إسرائيل باستهدافها قادة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، وقام بالضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للموافقة على خطة شاملة لوقف الحرب، وذلك حسب مسؤول بارز في البيت الأبيض. ومع أن ترامب لم يهدد بوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، إلا أن المسؤول أضاف أنه لم يكن بحاجة للقيام بهذا. وقال المسؤول البارز: “بدون الولايات المتحدة لن تكون إسرائيل موجودة، ولست مضطرا لقول هذا”.
وفي الأسابيع التي تلت ذلك، ساهم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وصهر ترامب، جاريد كوشنر، في تسريع الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار. وبدأ هذا الجهد في جلسة بالبيت الأبيض مع كبار المسؤولين الإسرائيليين أواخر آب/ أغسطس، وتطور عبر جلسات مطولة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، وبلغ ذروته في مجلس الوزراء الإسرائيلي الأسبوع الماضي، على حد قول مسؤولين أمريكيين كبار شاركوا في المفاوضات.
وكشف ترامب بحضور ويتكوف عن خطته أمام القادة العرب في نيويورك، ثم ضغطا على نتنياهو لقبولها. في النهاية، قبلها نتنياهو، مع بعض التحفظات. وأعلنت حماس أيضا استعدادها للسلام، مع أنها تركت بعض القضايا الأكثر أهمية، مثل نزع سلاحها، دون حل.
وفي النهاية، قرر ويتكوف تقسيم المفاوضات إلى مرحلتين الأسبوع الماضي في شرم الشيخ: قال المسؤولون إن الاتفاق الأسهل هو وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى. لا يزال الجانبان يتفاوضان حول من سيدير غزة ويعيد إعمارها بعد انتهاء القتال، والحل غير مؤكد.
وعلق برايان كاتوليس، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط: “السؤال الرئيسي المطروح على حماس هو ما إذا كانت ستنزع سلاحها بالفعل”. وأضاف: “سيقاومون ذلك، لأن المقاومة هي اسمها الأوسط، حرفيا”، في إشارة إلى اسمها الكامل، حركة المقاومة الإسلامية.
وتابع: “القضية الأكبر، والفجوة الواسعة التي لا أعتقد أن ترامب أو فريقه مهدوا لها الطريق حقا، هي الفجوة الموجودة بين إدارته وإسرائيل من جهة، وبقية العالم العربي، بشأن القضايا طويلة الأمد وبخاصة الطريق إلى حل الدولتين”.
وبدأ ترامب بالتراجع عن بعض التفاصيل، وبخاصة تشكيلة المجلس الذي سيشرف على إعادة إعمار القطاع ودور توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق في المجلس. كما كلف أكبر عسكري أمريكي، آدم براد كوبر بإرسال فرقة عسكرية أمريكية من أجل مراقبة وقف إطلاق النار مع دول عربية ومسلمة، رغم أن القوات الأمريكية لن تدخل غزة.
وقالت الصحيفة إن التوتر بين إسرائيل ودول المنطقة لا يزال قائما، وبخاصة بعد استهداف نتنياهو قادة حماس في قطر. وقد أثر هذا على رقصة النصر لترامب، حيث أشارت تقارير إلى مرافقة نتنياهو ترامب في رحلته إلى شرم الشيخ. وبحسب مسؤول في البيت الأبيض، اتصل ترامب بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي أعلن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي سيحضر القمة، وهو تطور مهم، لأن نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس لم يلتقيا أبدا في غرفة واحدة. ورفض مكتب نتنياهو الدعوة. في وقت هدد في رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بعدم الحضور.
وعلقت “واشنطن بوست” في افتتاحيتها قائلة إن اليوم التالي لما بعد الحرب في غزة قد وصل، وأن توثيق سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين بحاجة لقيادة أمريكية. وعلقت الصحيفة أنه في منطقة لم تحقق فيها الولايات المتحدة نجاحا دبلوماسيا يذكر في العقود الأخيرة، يمكن للرئيس الزعم وبدون شك أنه قام بإنجاز لم يتحقق منذ أجيال.
وفي الوقت نفسه، يمثل هذا المرحلة الأولى من عملية شاقة، حيث يعتمد نجاح هذا الفصل في تحقيق سلام دائم على استمرار مشاركة ترامب الشخصية ودور أمريكا كضامن رئيسي لاتفاق السلام. وقالت إن المخاطر لا تزال قائمة. فعندما نشر الرئيس رونالد ريغان قوات مشاة البحرية للإشراف على إجلاء المقاتلين الفلسطينيين من بيروت عام 1983، أسفر تفجير انتحاري عن مقتل 241 جنديا أمريكيا.
وقد أكد مسؤولو إدارة ترامب للأمريكيين أنه لن تكون هناك قوات برية في غزة. وأشارت إلى أسئلة أخرى عالقة حول نزع سلاح حماس وضمان عدم وجود دور مستقبلي للحركة في حكم غزة.
ويحتاج بنيامين نتنياهو إلى الدعوة لانتخابات في وقت ما من العام المقبل، وقد تساءل الكثيرون عما إذا كان سيتمكن من الحفاظ على تماسك ائتلافه الهش بعد توقف القتال. ومازح ترامب خلال خطابه في الكنيست بأن نتنياهو ليس شخصا يسهل العمل معه، لكن هذا ما يجعله رائعا في وظيفته.
وأضافت الصحيفة أن حل الدولتين ظل ولعقود من الزمن، الحل التقليدي، وبعد عامين من إراقة الدماء، يبدو احتمال قيام دولة فلسطينية أبعد من أي وقت مضى. والهدف الأكثر واقعية هو توسيع اتفاقيات إبراهيم. وفي الوقت الحالي، ستكون الأولويات العاجلة هي زيادة المساعدات الإنسانية إلى غزة وإقامة إدارة فلسطينية فاعلة. وسيستغرق ذلك سنوات، إن لم يكن عقودا.