كانت فرنسا منذ تشكلت أمة وثقافة، ركنا أساسيا بذاتها وفي محيطها وعالمها، لها دورها وحضورها ومساهمتها في تاريخ العالم، بما لها وما عليها.
القوى الأساسية في أوروبا (فرنسا وألمانيا بالتحديد) ظلت مشغولة بالعلاقة مع طرفين أساسيتين هما: العالم العربي الإسلامي والعالم السلافي الروسي. باعتبارهما جارين تاريخيين وجغرافيين يقيمان في المدار الاستراتيجي لها، ويمتلكان ثقافات حية وقدرات ذات تأثير، غير أن أوروبا بما فيها فرنسا عودت وعيها على النظر لهما، بتوجس وتنافس وأطماع، ومواقف ذات طابع عدائي وسوء فهم مقصود، أكثر مما سعت لفهمهما والتفاهم معهما، وقد ترتبت عن هذه النظرة تداعيات سيئة، كان من الأفضل والأنفع تجنبها لصالح خيار مختلف.
بعد الحرب العالمية الثانية كحدث مفصلي في تاريخ أوروبا والعالم، تمايزت فرنسا إلى حّد ملحوظ عن خيارات أوروبا، التي صارت أطلسية في أمرين على الأقل، الأول: عودة «ما» لأبعاد ثقافية فكرية ايجابية في تراثها وذاكرتها، قدمت من خلالها أفكارا، مواقف، تصوراتٍ وقيما ذات بعد إنساني كوني. أما الثاني: فقد تمثل بوجود نزوع في نمط التفكير الفرنسي وآليات عمله، يتجه نحو البحث عن بعد مختلف في الظواهر والثقافات الأخرى، كان له عموما أثره الإيجابي في تعبيرات فرنسا السياسية عن نفسها. ما يمكن وصفه بـ«المقتنيات الثقافية والفكرية الإيجابية» واستحضار ما يسمونه «فرنسا الخالدة». ظلت من أثمن ما كان عند أجيالها المتعاقبة، ظل وعي تيار مهم من الفرنسيين، يحن لهذه القيم ويستحضرها. ذهبت فرنسا مع بريطانيا وغيرها في ممارسات استعمارية في طول العالم وعرضه، وكان لها حضورها القوي في كل المحطات السلبية في علاقة الغرب الجماعي مع العالم العربي الإسلامي وشعوبه؛ من حروب الفرنجة، إلى الاستعمار الحديث، إلى دورها المهم في إقامة دولة إسرائيل، إلا أن العودة للمقتنيات الثقافية دون غيرها، هي التي أسهمت في بناء أبعاد ذات صبغة إيجابية في صورة فرنسا أمام نفسها، وعند الآخرين وفي أحيان كثيرة أنقذت صورتها من التردي، بفعل ذلك ظل لفرنسا في وعي تيار أصيل وحقيقي من العرب، تقديرا إيجابيا ما، بتأثير أبعاد ثقافية وفكرية وإنسانية تخصها حصرا وعينا، وهو أمر لا يوجد له نظير في وعيهم إزاء أمم الغرب الأخرى مثل بريطانيا وأمريكا مثلا، لكن فرنسا السياسية الراهنة لم تحسن الاستثمار في هذا البعد على نحو بناء، ايجابي ومتواصل. الجنرال شارل ديغول الذي تجرع مهانة الاحتلال على يد ألمانيا الهتلرية، في حين كانت بلاده تستعمر الكثير من شعوب الأرض، عاش مفارقة أن يكون مُستَعمِرا من جهة، وأن يكون مُقَاوِما ضد الاحتلال الألماني من جهة أخرى، لعب دورا أساسيا في تظهير فرنسا أخرى من ثنايا فرنسا الاستعمارية، من دون أن تحدث قطيعة حاسمة مع البعد الاستعماري لها. تعبيرات ديغول السياسية وتمايز خياراته عن مزاج البلدان الغربية، أعادت نوعا من الاعتبار لفرنسا الثقافية والفكرية والإنسانية، وقد انعكس ذلك في وجود قدر من الاختلاف في المقاربة الفرنسية عن التوجهات الأطلسية إزاء العالم العربي وقضاياه وأوراسيا والصين أيضا، وعلى محدودية هذا الاختلاف إلا أنه كان مهما.
فرنسا مثل كثيرين في هذا العالم، تحتاج لتحرير نفسها من المقاربات الضيقة، والعودة لإحياء جوانب محددة في الثقافة كي تعيد السياسة إلى صواب ما
بعد مغادرة ديغول المسرح السياسي، استمرت بعض مفاعيل مقاربته على نحو أو أخر، وكانت أخر تجلياتها في عهد خصمه السياسي فرانسوا ميتران الذي يعتبر آخر الديغوليين في السياسة الخارجية الفرنسية، أكثر مما كان عليه الأمر عند ورثة ديغول السياسيين، لكن بالتزامن مع غياب ميتران كان جيل من الساسة والمثقفين والمفكرين وأصحاب الرؤى الوازنة يغيب من مشهد فرنسا، وتدخل في تجربة من التصحر والتجويف الثقافي والفكري المتراكم. قراءة الخيارات السياسة الفرنسية في العقود الثلاثة الأخيرة، وبالتحديد منذ ولاية جاك شيراك الثانية في نهاية الألفية، تشير لانخراطها في النزعة الأطلسية من جديد، وتبني مواقفها تجاه مختلف المسائل والقضايا التي تخص: أوراسيا والشرق الأوسط والصين، ترتب عنه خسائر في مستويات عدة، وأزمة سياسية ثقافية داخلية خارجية ظلت تتفاقم من عهد لآخر، أكلت من صحن حضور فرنسا وقيمتها المفترضة وتغذت على رصيد صورتها، ولم تكسب جراءها شيئا ذا قيمة أو مغزى، وأهملت مقاربة أخرى لتحقيق حضورها ومصالحها على نحو معقول ومحترم كانت توجد في متناول يدها، لكنها تجنبتها وهذا أمر مثير للتساؤل. من السذاجة أن يطلب أحد من فرنسا أو غيرها، أن تتبنى مطالب شعوب العالم المظلومة وحقوقها، كما تراها هذه الشعوب، لكن الواقع والضرورة يطلب منها أن ترى الآخرين وحقوقهم بعين أخرى، وتعدل خلل السياسة، بصواب نسبي موجود في بعض الثقافة، وأن تعي درس التاريخ الأهم الذي يقول، ما من سياسة تركت وراءها الأبعاد الإيجابية في الثقافة إلا وخسرت.
توازن الرؤية والمواقف الفرنسية ضروري لفرنسا أولا، وفرنسا المتوازنة ضرورية لتوازن أوروبا، التي تذهب في ضياع سياسي استراتيجي مبين، وأوروبا المتوازنة ضرورية لمصالحها ولتوازن العالم، وعودة فرنسا وأوروبا للحظة عقل وموضوعية في التعامل مع القضايا التي تشغل العالم وتهدد امنه وسلمه واستقراره، باتت من شروط أمنها واستقرارها، ومشاركتها مع قوى أخرى في بناء صيغة جديدة لنظام دولي أكثر عدلا وتشاركية ومسؤولية وسلاما، تحتاج إليه كل شعوب الأرض كي تستوي في وضع متوازن نسبيا. الضرورة على طريقتها تقول، إن شيئا ما يجب أن يتغير في بلاد الغال، كي لا تواصل السير في طريق لا ربح فيه، وكي تلاقي نفسها سياسيا وثقافيا بطريقة مناسبة في لحظة اضطراب بنيوي عميقة يمر بها العالم، وكي تعثر على نفسها ويعثر عليها الآخرون في مدار يتناسب مع «بعضٍ» من روحيتها الإيجابية المستقاة من أبعاد ثقافية وفكرية وإنسانية موجودة في أعماقها، وفرنسا مثل كثيرين في هذا العالم، تحتاج لتحرير نفسها من المقاربات الضيقة، والعودة لإحياء جوانب محددة في الثقافة كي تعيد السياسة إلى صواب ما.
فلسطين، كقضية ومعنى، تسهم من جديد في إعادة تشكيل وعي العالم على أسس أخرى، وتمنحه فرصة الخلاص من آثامه بدماء أهلها والهدر الشامل لحقوقهم ووجودهم، ستظل الحقل الأهم لفرنسا وغيرها للتعبير عن توجهات من نوع آخر مختلف. اعتراف فرنسا بدولة فلسطين؛ فكرة ومشروعا على رمزية الخطوة، والسياق والحيثيات التي يتبلور فيه موقفها، يحيل للوقوف عند إشارات جديرة بالتأمل لتقدير مداها ومسار تطورها، خصوصا عند قراءته في علاقته مع تضاؤل طاقة التحمل الفرنسية، مما تفعله إسرائيل في غزة والضفة من جهة، ونزوعها غير المتكامل للتفلت الجزئي من قبضة السياسة الامريكية وسطوتها من جهة ثانية. وتبلور ملامح على محدوديتها لنظرة أخرى عند فرنسا لمصالحها وكيفية تحقيقها من جهة ثالثة. خطوات فرنسا الأخيرة ومؤشراتها تحتاج لاستكمال نفسها بأخرى وتوسيعها وتعميقها، إذا ما شاءت فرنسا إحداث تحول «ما» في سياساتها ودورها، مبني على تحقيق قدر من التوافق بين المواقف السياسية من جهة والاعتبارات الثقافية الاخلاقية السّوية من جهة أخرى، كضرورة مبدئية لسلوك الدول المعنية بمكانتها وإسهامها في تحقيق مصالحها والحضور اللائق والدفاع عن السلم والعدالة في عالم يضيق بنفسه، ويضيق بما فيه من ظلم وعجز روحي وأخلاقي مريع، ويضيق بضلال الأقوياء فيه.
كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين