غزة – «القدس العربي»: كأنها زلازل متتالية، هكذا بدت المناطق التي احتلها الجيش الإسرائيلي مؤخرًا، عندما بدأ تنفيذ الهجوم البري الأخير ضد قطاع غزة «عربات جدعون 2».
فلم تمضِ إلا أسابيع قليلة على ذلك الهجوم، حتى سوّت آلة الحرب البنايات بالأرض في عدة أحياء من المدينة، وحولتها إلى أثرٍ بعد عين. تشابك الركام والحطام الناتج عن التدمير، فأغلق الشوارع الداخلية، وغيّر بالكامل شكل المربعات السكنية.
وفي بلدات شمال قطاع غزة، كان حجم الدمار الكبير مشابهًا لما هو عليه الحال في أحياء مدينة غزة الشمالية والجنوبية، وفي أغلب مناطق مدينة خان يونس ومدينة رفح. ومع انسحاب الجيش الإسرائيلي، وفقًا لاتفاق التهدئة الجديد، إلى خارج عمق مناطق القطاع، وعودة السكان لتفقّد مناطق سكنهم، ظهر حجم الدمار، وتحديدًا في مدينة غزة، بشكلٍ لم تشهده خلال الهجمات البرية السابقة ضد المدينة منذ بداية الحرب في السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023.
المباني أثرٌ بعد عين
فالأبنية متعددة الطوابق والمتشابكة في العديد من المربعات السكنية في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة انهارت فوق بعضها البعض، كأنها أحجار من لعبة دومينو مصفوفة بشكلٍ متجاور.
الدمار هناك فاق التوقعات، والسير في تلك المناطق صعب ويحتاج إلى مجهودٍ لتسلّق ركام الأبنية المدمرة والمرور بعد تجاوز كتل الحطام. ومن فوق ركامٍ يعلو الأرض بأمتار قليلة، يمكن مشاهدة ساحةٍ كبيرة من الدمار بوضوح، ومن هناك بدأت تظهر جليًا المناطق الحدودية الشرقية للمدينة، التي لم تكن تُرى من قبل بسبب كثافة الأبنية وعلوها.
وفي مناطق العمليات العسكرية البرية الأخيرة، لا أحد يستطيع التنقّل بسهولة بين البيوت المدمّرة، سوى الرياح المحمّلة بغبار وأتربة القصف، بعد أن أُغلقت معظم الطرق بكتلٍ إسمنتية كبيرة.
يقول أحمد نصّار، الذي يقطن حي الشيخ رضوان، وكان من الذين بقوا في المدينة ولم ينزحوا منها طوال الفترة الماضية: «ما في إشي، كل المنازل دُمّرت في المكان». وكان هذا الرجل قد عاد لتوّه من رحلة تفقدٍ لمنطقة سكنه شمال مدينة غزة، بعد أن خشي على نفسه بسبب استهدافات متكررة لجيش الاحتلال طالت مناطق عدة من المدينة، رغم قرار وقف إطلاق النار.
الألوان تختفي
بوصفٍ مليء بالألم قال أحمد: «شقى العمر راح في ثانية»، فقد تعرّض منزل أسرته للهدم الكلي، شأنه شأن باقي منازل المربع السكني الكبير الذي يقطنه. ويقول إنه لم يتعرّف على منزله إلا بصعوبةٍ بالغة، فالبنايات هناك تهاوت وتشابك الردم، وتحولت المنطقة إلى بقعةٍ من اللون الرمادي، لون الخرسانة الإسمنتية التي ظهرت بعد الدمار، بدلًا من ألوان منازل تلك المنطقة التي كان يغلب عليها اللون الأبيض.
وحسب مواطنين من شمال المدينة، فإن دمارًا كبيرًا طال المنطقة الواقعة من مفترق عبد العال في قلب حي الشيخ رضوان حتى شارع العيون على أطراف الحي، علاوةً على تدمير المنطقة الواقعة شرق منطقة البركة في الحي ذاته.
ومنذ بدء الهجوم البري الجديد ضد المدينة «عربات جدعون 2»، ومن قبله الهجوم الأول بعد استئناف إسرائيل الحرب ضد قطاع غزة في آذار / مارس الماضي، تعمّد الجيش الإسرائيلي استخدام قوة تدميرٍ هائلة لنسف المباني، من خلال قصفها بصواريخ ثقيلة أسقطها الطيران الحربي، كما دمّر الكثير منها بتفجيرها بواسطة العربات العسكرية المفخخة والمحملة بأطنانٍ من المتفجرات، إذ كانت الواحدة منها تُحدث تدميرًا لمربعٍ سكني بالكامل. كما تعمّد تدمير المباني بالآليات الهندسية الكبيرة التي كانت تشارك في عمليات الاجتياح.
وأخيرا، انتشرت لقطات فيديو التقطها أحد جنود الاحتلال، تُظهر تدمير بنايةٍ متعددة الطوابق شمال مدينة غزة باستهداف أعمدتها الأساسية برصاصٍ ثقيل أطلقته دبابة إسرائيلية متوغّلة.
وبصعوبةٍ شديدة، وصل أبو محمد، وهو رجل في منتصف الخمسينيات، إلى مكان منزله في حي الصبرة بعد انسحاب الدبابات الإسرائيلية من المنطقة. وكان الرجل قد وضع تصورًا مسبقًا للمكان قبل ذهابه، لكنه صُدم من هول المشهد. وقال لـ»القدس العربي»: «حجم الدمار كبير، وكبير جدًا»، وتابع: «ما تخيلت هيك، حتى المنطقة ما بتصلح لوضع خيمة نزوح».
وهناك تتشابك كتل الإسمنت أيضًا وتغطي الشوارع، ولعدم وجود قطعة أرضٍ ممهدة في المكان، سيكون من الصعب على سكان الحي إقامة خيامهم في حال قرروا العودة.
ولم تصدر حتى اللحظة إحصائية دقيقة تُظهر حجم الدمار الأخير، غير أن المعطيات على الأرض تشير إلى أن آلاف المنازل دُمّرت بشكلٍ كامل، إضافةً إلى تجريف الطرق في مناطق النفق واليرموك والجلاء والشيخ رضوان والنصر والشفاء ومخيم الشاطئ وتل الهوا والصبرة والزيتون في مدينة غزة، علاوةً على التدمير الذي طال بلدات شمال القطاع، وهي بيت لاهيا وبيت حانون وجباليا.
وتشير بلدية غزة إلى أن المدينة تعيش كارثةً إنسانية غير مسبوقة، بعدما طال الدمار كل مناحي الحياة والبنية التحتية والمرافق الخدماتية والمباني العامة والخاصة. وقالت في بيانٍ أصدرته: «تحولت غزة إلى مدينة منكوبة بفعل الدمار»، موضحةً أن الدمار الواسع حوّل شوارع المدينة إلى أكوامٍ من الركام، والمرافق العامة إلى مناطق منكوبة يصعب الوصول إليها أو الاستفادة منها.
وبيّنت أن العمليات المدمّرة استهدفت الطرق وآبار المياه ومحطات الصرف الصحي وشبكات المياه والإنارة والاتصالات وآليات البلدية والحدائق والمباني العامة والخاصة، ما أدى إلى شللٍ شبه تام في تقديم الخدمات الأساسية للسكان، وتفاقم الأوضاع الصحية والبيئية، وانتشار الأوبئة في عدة مناطق من المدينة.
ويعني ذلك أن نازحي مدينة غزة سيواجهون صعوبةً بالغة في الحصول على أبسط الخدمات الحياتية في هذه المدينة المدمرة، وخاصةً خدمات المياه والنظافة.
إصرار على العودة
ويقيم القسم الأكبر من سكان مدينة غزة ومناطق شمال القطاع في مناطق النزوح وسط وجنوب القطاع، بعد أن أجبرتهم الهجمات والتهديدات الإسرائيلية على المغادرة منذ بدء الهجوم البري وحتى اليوم الذي سبق الإعلان عن وقف إطلاق النار. ولم تُحدد بعد مواعيد وطرق عودتهم إلى مناطق سكنهم، على غرار اتفاق التهدئة السابق.
وسيفاجأ هؤلاء بحجم الدمار الكبير الذي حلّ بالمدينة، وهو أكبر بأضعاف مما كان عليه خلال الهجمات السابقة. ويُقدّر عددهم بأكثر من سبعمئة ألف مواطن، سيجدون صعوبةً بالغة في إيجاد أماكن لإقامتهم في المدينة، بعد أن ضيّقت العملية العسكرية البرية الأخيرة المساحات الصالحة للحياة والسكن هناك.
ومع ذلك، يُصرّ كثير من النازحين على العودة، ومنهم أسرة أحمد ماضي، النازحة حاليًا في مخيم النصيرات وسط القطاع، وهي واحدة من آلاف الأسر التي تركت المدينة مؤخرًا مع اشتداد العملية البرية.
ويوضح رب الأسرة أنه لا يملك معلومات عن منزله في جنوب مدينة غزة، وينتظر أن يعرف مصيره قبل العودة، من أصدقاءٍ وأقارب لا يزالون هناك، أو من آخرين قرروا العودة في اليوم الأول للتهدئة. ويضيف، وهو متعب وكان يتحضّر لجلب مياهٍ لأسرته التي تقيم في خيام النزوح: «الظاهر إننا سننتقل من خيمة إلى خيمة».