غزة: في قطاع غزة الذي تحاصره إسرائيل، أصبحت لقمة العيش وقارورة الماء حلما صعب التحقق، فالأطفال الفلسطينيون يبيتون على الطوب ويئنون تحت وطأة الجوع الشديد، ما حول أجسادهم البريئة إلى هياكل عظمية لم تكفِ صورها المنتشرة في الإعلام لدفع إسرائيل إلى رفع الحصار وإدخال المساعدات.
بجسدها النحيل، ووجهها الشاحب الذي غابت عنه ملامح الطفولة، ترقد الفلسطينية مي أبو عرار (7 أعوام) على سرير بمستشفى ناصر في خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعدما أنهكها التجويع الإسرائيلي المتواصل تزامنا مع حرب الإبادة الجماعية التي تشنها تل أبيب على القطاع منذ نحو عامين.
فالحصار الإسرائيلي لم يترك للطفلة سوى عظام بارزة وصرخات متقطعة على فراش المستشفى، حولت ابتسامتها البريئة وشعرها الكثيف إلى ذكرى بعيدة، وجعلت طفولتها أسيرة المرض والحرمان.
كانت “وردة”
كانت مي قبل بدء الإبادة الإسرائيلية طفلة مفعمة بالحياة، بوجه مشرق وشعر كثيف وابتسامة بريئة كما تتحدث والدتها نادية أبو عرار التي وصفتها بـ”الوردة”، وكما عرضت صورتها عبر هاتفها المحمول.
لكن مع الحصار الإسرائيلي ومنع إدخال الغذاء والدواء لغزة، أصيبت مي بسوء تغذية حاد، فتساقط شعرها وانخفض وزنها من 22 كيلوغراما إلى 12 كيلوغراما فقط، قبل أن تفقد القدرة على المشي بعدما عجز جسدها النحيل عن حملها.
ولم تقتصر معاناة مي على الجوع، بل امتدت إلى النزوح المتكرر، فبعد علاجها في مستشفى الرنتيسي للأطفال بمدينة غزة، اضطرت عائلتها للنزوح لمستشفى ناصر نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية التي ضيقت الخناق على المدينة
وتقول والدة الطفلة، إن ابنتها لم تكن تعاني أي أمراض قبل الإبادة الإسرائيلية، لكن إغلاق تل أبيب المعابر ومنع دخول الغذاء والدواء فاقما وضعها الصحي.
وأضافت: “كان وزنها 20 كيلوغراما قبل الإبادة، وكانت مثل الوردة، أما الآن فقد وصل إلى 12 كيلو غراما فقط بسبب سوء التغذية”.
وأوضحت الأم أن وضع طفلتها يزداد سوءا يوما بعد يوم، مع استمرار نقص الغذاء والدواء، لافتة إلى أن العائلة تعيش على طعام الجمعيات الخيرية والمياه، وأحيانا عبوات حليب إن توفرت.
وأضافت : “حين لا تتوفر مساعدات لا نجد ما نأكله ونبيت جائعين”.
وأعربت عن خشيتها من موت طفلتها، متمنية نقلها للعلاج خارج غزة في ظل انهيار المنظومة الصحية، وإغلاق الجانب الفلسطيني من معبر رفح البري من قبل الجيش الإسرائيلي، الذي سيطر عليه منذ مايو/ أيار 2024، ومنع خروج المرضى والجرحى للعلاج.

انهيار المنظومة الصحية
بدوره، أكد عاهد خلف، اختصاصي طب الأطفال في مستشفى ناصر، أن مي “تعاني من سوء تغذية جراء الحصار الإسرائيلي”.
وأضاف الطبيب المشرف على مي، أنها تعاني من “تورم القدمين، ونقص البروتين في الدم، وفقدان القدرة على الحركة بسبب ضمور العضلات وغياب الطبقات الدهنية تحت الجلد، إضافة إلى تقرحات وتساقط الشعر”.
وذكر أن الفريق الطبي اضطر لإعطائها علاجا بديلا لعدم توفر الدواء الأساسي اللازم بسبب الحصار الإسرائيلي ونقص الإمدادات، مؤكدا أن سوء التغذية يزيد تدهور حالتها.
وأشار إلى أن غزة تخلو من الخضروات والفواكه، وهي احتياجات أساسية للأطفال لبناء أجسادهم.
الطبيب اعتبر حالة مي تجسد “واقع الانهيار الذي تعيشه المنظومة الصحية في قطاع غزة نتيجة الإبادة والحصار الإسرائيلي”.

(الأناضول)