بعد عام من رفضه صفقات مماثلة باسم “القضاء على حماس “، يُدرك رئيس الوزراء أن التهديد الحقيقي يكمن في صناديق الاقتراع وفي واشنطن.
بعد إطلاق سراح جلعاد شاليط، استَشهَد بآية من سِفر إشعياء فانجرفت القلوب. اليوم، حتى لو اختار الآية نفسها، سنعلم أن الكلمات جوفاء، وأن القائد يُطلق سراح الرهائن ليس بدافع الشفقة، بل لأنه مُجبر على ذلك.
قبل عام، قارنتُ هنا بين عشية عيد فرحة التوراة 2011 (قرار الحكومة بشأن صفقة جلعاد شاليط) وعشية العيد عام 2024. حينها كان هناك 101 رهينة في غزة. وبشكل عام، زعمتُ هنا أنه في عام 2011 كان لدى نتنياهو حكومة مريحة تضم توقيعات ودية للغاية من اليمين، وكان الوحيدون في الحكومة الذين عارضوا الاتفاق هم أفيغدور ليبرمان، وبوجي يعلون، وعوزي لانداو.
أظهرنا كيف قضت عودة شاليط فجأةً على الاحتجاج الاجتماعي الذي كان مستعرا في الشوارع حتى ذلك الحين.
اجتاحت رسالة نتنياهو القلوب، وشكرته شريحة واسعة من الجمهور، من اليمين واليسار، على إعادة الرهينة الذي اختُطف في عهد سلفه.
كتبتُ أن ما أحدث التغيير لم يكن ثورةً في منظور نتنياهو السياسي والأمني، بل ببساطة، التحقيقات التي تحولت إلى اتهامات جنائية، مما حدّ بشكل كبير من خياراته السياسية.
كان وضعه القانوني هو الذي أوصل الكاهانيّة إلى قمة الحكومة الإسرائيلية، ولأن هؤلاء الشركاء هددوا بحل الحكومة إذا انتهت الحرب، استمر الرهائن يرزحون في الأنفاق في غزة.
إذن، ما الذي تغير من أكتوبر 24 إلى أكتوبر 25؟
قبل أن أذكر ما تغير، سأبدأ بما لم يتغير، فالكذبة الكبرى التي يروجها الائتلاف هي أن نتنياهو لم تُعرض عليه مثلُ هذه الصفقة حتى اليوم.
هذه افتراءات بشعة يسهل دحضها، فقد رُفضتْ فكرةُ الصفقات الشاملة مرارا وتكرارا بسبب مطالبة حماس المضادة بإنهاء الحرب.
كانت عبارة “نهاية الحرب” بالنسبة للائتلاف، وعلى رأسه نتنياهو، بمثابة عبارة سحرية لا يستطيع الامتناع عن ذكرها.
أدرك سموتريتش وبن غفير أن هذا سيقضي على حلم الاستيطان في غزة، وأدرك نتنياهو أن الائتلاف سينهار، وكان التفسير الرسمي هو ضرورة تحقيق “نصر كامل” و”انهيار حماس”.
رفَضت إسرائيل أي مبادرة، وكان هناك العديد منها، لإجراء أي مفاوضات تتضمن إمكانية “إنهاء الحرب”. فعلى سبيل المثال، في يونيو/حزيران 2024، أوضح نتنياهو في مقابلة مع برنامج “باتريوتس” سبب معارضته للصفقة الشاملة، واستعداده فقط لصفقة جزئية: “أنا مستعد لصفقة جزئية تعيد بعض الناس إلينا، لكننا ملتزمون بمواصلة الحرب بعد الهدنة لتحقيق هدف القضاء على حماس. لست مستعدا للتخلي عن ذلك”.
من هذا النص، علِمنا أنه يعارض أي فكرة لإنهاء الحرب، أما موافقته الآن، في عام 2025، على إنهاء الحرب فلم تعد مشروطة بـ”القضاء على حماس”، أو حتى نزع سلاحها.
ماذا حدث إذا؟ أمران: الانتخابات المقبلة، وإلغاء ما تبقى له من رصيد من الفضل من إدارة ترامب.
بافتراض عدم تحقق السيناريوهات المروعة التي يخشاها نفتالي بينيت وكثيرون في الرأي العام الإسرائيلي، ستُجرى الانتخابات في إسرائيل خلال عام على أقصى تقدير، ووفقا لمعظم التوقعات، ربما قبل ذلك بكثير.
ويحتاج نتنياهو إلى الانتقال من مستوى البقاء التقني (أصوات بن غفير، وسموتريتش، والحريديم من الخارج)، إلى مستوى القدرة على الفوز.
استطلاعات الرأي معروفة، فتحالف الكاهانيين، والمسيحانيين، والحريديم، وأنصار نتنياهو المخلصين ينجح أحيانا في تشكيل كتلة ٍ معيقة ٍ للمعارضة، وأحيانا أخرى يفشل. ويحتاج نتنياهو إلى استعادة شريحة معينة من الناخبين، ولن يتمكن من انتزاعهم إلا ممن انضموا إلى بينيت، ولم تكن الفرصة الوحيدة لعودتهم إليه إلا من خلال صفقة رهائن.
والأهم من ذلك، أنه قبل عام تقريبا، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي مذكرة توقيفٍ بحق رئيس الوزراء. وفي الأشهر الأخيرة، تزايدت الدول، بما فيها تلك التي كانت حليفتنا في أوروبا، في اتخاذ موقف ضد إسرائيل، واعترفت بدولة فلسطينية، بل إن بعضها أعلن أن نتنياهو شخصٌ غير مرغوب فيه.
كانت إسرائيل على وشك الطرد من المباريات الرياضية الدولية ومسابقة الأغنية الأوروبية. وأعلن مرشح ذو حظوظ عالية في الفوز في انتخابات عمدة نيويورك أنه في حال فوزه، سيطلق النار على نتنياهو لاعتقاله، إذا وصل إلى المدينة.
في مواجهة كل هذا الشر، ومنذ الانتخابات الأمريكية التي جرت في تشرين الثاني / نوفمبر من العام الماضي، حظي نتنياهو بدعم أقوى رجل في العالم، الرئيس ترامب.
مرارا وتكرارا، نجح نتنياهو في استغلال ترامب لصالحه وإقناعه بأن الرافضين هم حماس، وليس هو.
مرارا وتكرارا، ظهر ترامب، جزئيا بفضل نتنياهو، كأحمق القرية، وهو ينشر تهديدات عبثية عن الجحيم والإبادة والترحيل، إلخ.
جميع التقارير عن الزيارة الأخيرة تثبت أن ترامب قد سَئِم من كل هذا. وقد ساهمت الساعة الرملية للجنة جائزة نوبل للسلام في الأمر، وكذلك المصلحة الاستراتيجية لترامب مع القطريين ودول الخليج.
علاوة على ذلك، أدرك ترامب جيدا أن الشعب الإسرائيلي لا يؤيد نتنياهو فيما يتعلق بإعادة الرهائن وإنهاء الحرب. وقد عبّر ترامب عن ذلك بأسلوبه الرائع عندما قال لنتنياهو في المؤتمر الصحفي إن “إعادة الرهائن وإنهاء الحرب أمرٌ يحظى بشعبية كبيرة”. وأضاف أيضا: “لاحظتُ وجود حشد كبير يتجمع طوال الوقت في إسرائيل، ويذكرون اسمي، إنهم معجبون بي لسبب ما. يقولون شيئين: أعد الرهائن، وأرجوك ضع نهاية للحرب… لقد سئموا، كفى. لذا أعتقد أن هذا أمرٌ يحظى بشعبية كبيرة”.
عندما طلب بايدن من نتنياهو إنهاء الحرب، سَوّق له نتنياهو على أنه أمر مُثير للمشاكل في إسرائيل. صرّح ينون ماغيل السخيف في برنامج “باتريوتس” أن الاتفاق تم التوصل إليه رغم الاحتجاج وساحة الرهائن.
بعد ساعتين، كان ترامب قد غرّد بصور الآلاف في الساحة… باختصار، لم تصل الاحتجاجات إلى قلوب نتنياهو وحكومته الخارجة عن القانون، لكنها في النهاية وصلت إلى ترامب ، وسيُقال الكثير عن الأبطال، مواطني إسرائيل، الذين شاركوا في الاحتجاجات والمسيرات أسبوعيا.
لا أدري ما الكلمات التي سيختارها نتنياهو في خطابه بعد عودة المخطوفين. ربما سيكرر الآية الجميلة من سفر التكوين من سفر إشعياء، التي اقتبسها بعد عودة جلعاد شاليط: “ليُخرجوا من السجن أسيرا، من السجن الجالسين في الظلمة”. الفرق هو أننا في ذلك الوقت، العام 2011، كنا نؤمن بحماسته، وبالكمال الذي أظهره بهذه الخطوة، أما اليوم، فإلى جانب الفرحة والحماسة الكبيرتين، سنعلم أن زعيم دولة إسرائيل أعاد شعبه إلى حدودهم، أولئك الذين اختُطفوا في عهده لا في عهد غيره، كما لو أنهم جمّدوا شيطانا.
يا للعار! ستعيش البلاد مع هذا العار لأجيال قادمة، لكنه لن يُفسد علينا الفرحة العظيمة التي ستحل علينا، إن شاء الله، في الأيام القادمة.
باروخ كارا
موقع واللا – 10/10/2025