بعد تأخير دام ساعات بسبب تلكؤ الرئيس الأمريكي في القدس المحتلة، انعقدت «قمة السلام» في شرم الشيخ برئاسة مشتركة من ترامب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبحضور قادة وممثلين عن 35 دولة وهيئة عالمية. وتُوّج الحدث بتوقيع قادة أمريكا وقطر ومصر وتركيا على وثيقة اتفاق غزة، في ضوء إتمام مرحلة أولى شهدت إطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين الأحياء، والإفراج من سجون الاحتلال عن نحو 2,000 أسير فلسطيني.
وكان منتظراً أن تعمّ اللغة الاحتفائية والإشادة المتبادلة والشكر والامتنان ومدائح السلام في خطاب السيسي، الذي لم يتردد في الجزم بأن ترامب «أثبت أن القيادة ليست في شن الحروب، ولكن في إنهائها»، مؤكداً ثقته في الرئيس الأمريكي للحفاظ على الاتفاق، وأن تكون «غزة هي آخر حروب الشرق الأوسط». ترامب من جانبه تبارى مع الرئيس المصري، فاعتبر أن «الاتفاق التاريخي» بصدد «تحقيق السلام في الشرق الأوسط» قد تحقق اليوم، بعد أن «قال الجميع إنه مستحيل».
صحيح أن القمة اكتسبت صفة الحدث غير المسبوق في تاريخ المنطقة، إن لم يكن بسبب طابعها الاستعراضي والمسرحي المبالغ به عن سابق قصد، فعلى الأقل بالنظر إلى هذا الاحتشاد الكبير لرؤساء الدول والحكومات والهيئات من الشرق الأوسط والعالم، حيث جذب الانتباه حضور رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بدعوة من صديقه ترامب على الأرجح. الأصح في المقابل هو أن هذه ليست المرة الأولى التي تشهد دعوة العالم إلى المساهمة في تعافي قطاع غزة من حروب إسرائيلية فادحة الخسائر في أرواح الفلسطينيين وعالية التدمير، فقد تكررت المأساة أعوام 2008ـ2009 و2012 و2014 و2019 و2021 و2022، قبل حرب الإبادة الأشد وحشية وهمجية في 2023.
وإذا كان ترامب قد ألزم نتنياهو بالتوافق مع خطاب الرئاسة الأمريكية حول انتهاء الحرب في غزة، فإن تجارب الماضي تثبت أن تعهدات رئيس الحكومة الإسرائيلية العلنية اختلفت على الدوام عن سلوكه الفعلي، خاصة وأن أبرز خياراته الاستراتيجية كانت إطالة حرب الإبادة بما يخدم أجنداته الشخصية في التهرب من اتهامات الفساد والرشوة وخيانة الأمانة أمام القضاء، وفي الالتفاف على صناديق الاقتراع والحفاظ على ائتلافه الحاكم الهش. هذا عدا عن حقائق الجبهات الأخرى التي فتحها نتنياهو ضد الضفـة الغـربية ولبنان واليمن وسـوريا وإيـران، وهـذه حروب لم يحتفل ترامب بإنهائها في قمة شرم الشيخ، بافتراض أن المراحل التالية من اتفاق غزة لن تشهد خروقات صغرى أو كبرى من جانب جيش الاحتلال.
ولعلّ الأصح والأكثر رسوخاً في المشهد الراهن هو ما أكد عليه الساسة الإسرائيليون، سواء في الحكم أو في «المعارضة»، من أن أي رئيس أمريكي لم يقدّم لدولة الاحتلال ما قدمه ترامب، وبالتالي فإن مستقبل الاتفاق، وربما سائر علاقات واشنطن بالمنطقة، تظل محكومة بهذا المعطى المبدئي الحاسم. والسلام بهذا المعنى يحتاج من الرئيس الأمريكي إلى تعديلات نوعية حاسمة، أبعد بكثير من اللغة الاحتفائية وإدمان رفع الإبهام.