نواكشوط –«القدس العربي»: بعد ستة أشهر كاملة وفي قصر يزدحم بالتوقعات وتحت سماء سياسية مشحونة بالترقّب، تسلّم الرئيس ولد الشيخ الغزواني، أمس، التقرير الشامل الذي طال انتظاره، حاملاً بين صفحاته خلاصة ما توافقت عليه، أو اختلفت حوله الأحزاب السياسية والقوى الوطنية الموريتانية بشأن الحوار المرتقب.
وبدت هذه اللحظة في ظاهرها بروتوكولية، لكنها في جوهرها تشكل مفصلا جديدا في مشهد يتأرجح بين الأمل والتوجّس، وفي ساحة تتعالى فيها أصوات الشرائحية والقبلية والنزعات العرقية.
وبينما تتحدث أروقة السياسة عن بداية صفحة جديدة، اختار النائب بيرام الداه اعبيد ومجموعته المنضوون في حركة «إيرا» الحقوقية، الوقوف خارج الصف رافضين المشاركة ومشككين في جدوى العملية برمتها، ليبقى السؤال مفتوحًا: هل يمهّد هذا الحوار فعلاً لانفراج وطني، أم يؤسس لدورة جديدة من الخلافات المعلّقة؟
وسلم موسى فال، منسق الحوار الوطني للرئيس الغزواني، تقريره الذي يُجمل رؤى ومواقف الأحزاب السياسية والقوى الوطنية حول الحوار الوطني المرتقب، وهي الرؤى والمواقف التي تم تجميعها عبر عشرات الاجتماعات والنقاشات التي شغلت المشهد السياسي الموريتانية طيلة الأشهر الستة الماضية.
ويمثل هذا الحدث تتويجًا لمسار طويل من المشاورات السياسية، في خطوة يُنتظر أن تحدد ملامح المرحلة المقبلة من الحياة السياسية في موريتانيا.
ويأتي تسليم التقرير في ظرف سياسي يتسم بتزايد الدعوات إلى تجديد الثقة بين مختلف الفاعلين وتوسيع قاعدة المشاركة في صناعة القرار الوطني.
فقد أكد الرئيس الغزواني منذ بداية هذه المبادرة، أن الحوار الوطني يجب أن يكون شاملًا ومسؤولًا، وأن يفتح المجال أمام جميع الأطراف دون إقصاء أو تهميش، وأنه ينبغي أن يتناول كل القضايا الجوهرية التي تمس حاضر البلاد ومستقبلها.
وخلال الأسابيع الماضية، قاد المنسق موسى فال سلسلة من اللقاءات مع ممثلي الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات وشخصيات وطنية مستقلة، بهدف جمع مختلف التصورات حول القضايا التي يفترض أن يناقشها الحوار، وتحديد أولوياته وضماناته وآلياته التنفيذية.
وقد تباينت مواقف الأطراف المشاركة، لكنها التقت جميعها حول أهمية أن يشكل الحوار محطة فاصلة في مسار بناء دولة القانون والمؤسسات، وأن يتجاوز ما وُصف في تجارب سابقة بالحوار الشكلي أو المناسباتي.
وتضمن التقرير، وفقاً لمصادر مطلعة، مجموعة من المقترحات تتعلق بهيكل الحوار، ومعايير المشاركة فيه، وآجاله الزمنية، إلى جانب المطالبة بمنح مخرجاته قوة إلزامية تضمن تطبيقها على أرض الواقع. كما دعت عدة أحزاب إلى عدم استبعاد أي موضوع من النقاش، سواء تعلق بالمسائل السياسية أو الدستورية أو الاقتصادية والاجتماعية، معتبرة أن شمولية الطرح هي الضمانة الأساسية لنجاح الحوار.
وقد لاقت الخطوة ترحيبًا واسعًا في الأوساط السياسية الموريتانية، إذ اعتبرتها بعض القوى المؤشر الأكثر جدية منذ سنوات لإعادة بناء الثقة بين الفرقاء، بينما عبّر آخرون عن حذرهم من أن يتحول الحوار إلى مجرد تمرين سياسي لا يغيّر في الواقع شيئًا.
ويخشى مراقبون من أن يلقى هذا المسار مصير حوارات سابقة لم تُترجم توصياتها إلى إصلاحات ملموسة، رغم ما رافقها من أجواء توافقية وتغطية إعلامية واسعة.
ويرى محللون أن تسليم التقرير إلى الرئيس يمثل مرحلة حاسمة، لكنها ليست الأخيرة، إذ تتجه الأنظار الآن إلى الخطوة التالية: هل سيعلن الرئيس الغزواني عن جدول زمني محدد لانطلاق الحوار؟ وهل سيتم الكشف عن تشكيل اللجنة المشرفة وآليات المشاركة؟ ومتى سيتم إشراك المعارضة الجذرية والقوى التي لم تَمثُل أمام لجنة التشاور السابقة؟
وتؤكد أوساط مقربة من منسقية الحوار أن المرحلة المقبلة ستشهد دراسة التقرير داخل دوائر القرار لتحديد الترتيبات العملية لإطلاق الحوار، في حين يُنتظر أن يدعو الرئيس إلى لقاء تشاوري جديد لتوحيد الرؤى بشأن الشكل النهائي للعملية.
وبين التفاؤل الحذر والانتظار الطويل، يعيش المشهد السياسي الموريتاني لحظة ترقب غير مسبوقة: فبينما يعتبر البعض أن البلاد أمام فرصة حقيقية لتجديد العقد الاجتماعي وإطلاق إصلاحات سياسية ومؤسسية عميقة، يخشى آخرون أن تظل هذه المبادرة حبيسة النوايا الحسنة إذا لم تُترجم إلى خطوات عملية تعيد الاعتبار لثقافة الحوار كآلية دائمة لحل الخلافات.
وهكذا، تبقى الأسئلة الكبرى التي تشغل الأوساط السياسية والإعلامية الموريتانية اليوم هي: ماذا ستكون الخطوة الموالية بعد تسليم التقرير؟ وهل سيتحول هذا المسار إلى حوار وطني جامع يفتح أفقًا جديدًا في تاريخ البلاد السياسي، أم سيظل مجرد محطة أخرى تُضاف إلى سجل التجارب المؤجلة؟