باريس- “القدس العربي”:
قالت صحيفة لوموند الفرنسية إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمتع خلال زيارته لإسرائيل ثم لمصر يوم الاثنين، بانتصاره بعد عملية تبادل للأسرى والمحتجزين بين الدولة العبرية وحركة حماس. غير أن هذا النجاح لم يُزل كل الغموض الذي يكتنف خطة سلام فُرضت بالقوة.
قال ترامب متفاخراً: “استغرق الأمر ثلاثة آلاف عام للوصول إلى هذه اللحظة، هل تتخيلون؟”. فمن القدس إلى شرم الشيخ، كان لدى ترامب أسباب وجيهة للشعور بالرضا، حيث تم الإفراج عن آخر عشرين رهينة على قيد الحياة لدى حماس في قطاع غزة، وهو إنجاز كان يُعد قبل فترة قصيرة أمراً مستحيلاً. وحده، كما يقول، كان قادراً على تحقيقه، ولكن ليس من دون مساعدة.
واعتبرت صحيفة لوموند أن هذا النجاح يعزز نهجاً دبلوماسياً غير تقليدي.. فبالنسبة لترامب، فإن العلاقات الشخصية وموازين القوة هي كل شيء، والتاريخ مجرد عبء. لم يسع ترامب في أي لحظة إلى وضع الإسرائيليين والفلسطينيين على قدم المساواة في الصراع، إذ يرى أنهم ليسوا كذلك، وأن هذه المقاربة فشلت منذ عقود.
تجاهل ترامب الحقوق السياسية للفلسطينيين، كما فعل في خطته للسلام عام 2020، وفضّل التركيز على هدف فوري: تحرير الرهائن، وعلى اعتبارات اقتصادية. فالملياردير ينظر إلى دول الخليج على أنها خزائن لا تنضب، يعدها بـ“فجر جديد” للشرق الأوسط و“سلام أبدي” بفضل أموالها والدعم الأمريكي.
بمجرد كلماته، حوّل ترامب قبول حماس بالمرحلة الأولى من خطته إلى تسوية شاملة ونهائية، واعتبر أن الحرب انتهت. بينما لم يؤكد بنيامين نتنياهو ذلك بنفس الوضوح، ووضع في خانة “اللوجستيات والتفاصيل” كل النقاط العالقة الأخرى. وقال ترامب الاثنين: “قد تكون إعادة الإعمار هي الجزء الأسهل”. وهو قول بعيد كل البعد عن الواقع. فمصر فشلت منذ سنوات في تحقيق مصالحة بين الفصائل الفلسطينية، ونتنياهو يستبعد عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة. فمن سيتولى إدارة القطاع؟ ومن سيضمن أمنه إذا انسحبت إسرائيل فعلاً؟ تتساءل صحيفة لوموند.
أشهر من إعادة ضبط النهج
في الطائرة التي أقلته إلى إسرائيل، أكد ترامب أن واشنطن منحت حماس “تفويضاً مؤقتاً” للسيطرة على الوضع الأمني في أنقاض غزة.. وهي خطوة جريئة محفوفة بالعواقب، حيث إنها قد تفتح الباب أمام إعدامات ميدانية وملاحقات للمتعاونين مع إسرائيل. كما لم يتردد البيت الأبيض في التفاوض مباشرة مع حماس من أجل الإفراج عن الرهينة الأمريكي إدان ألكسندر. ووفقاً لموقع “أكسيوس”، فإن المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس، عقدا اجتماعاً حاسماً في مصر في 8 أكتوبر مع رئيس وفد حماس، خليل الحيّة، للحصول على إطلاق سراح العشرين رهينة الأخيرة.
فيليب غوردون، المستشار الدبلوماسي السابق لنائبة الرئيس السابق كامالا هاريس، والخبير في مؤسسة بروكينغز، أقرّ بأن “هناك بعض الفوائد في رغبة ترامب بفعل الأمور بطريقة مختلفة، مثل التحدث مباشرة مع حماس وتجاوز نتنياهو باعتبار موافقة جزئية من حماس بمثابة “نعم” على اتفاق لم تُقبل بنوده كلها”. وأضاف أن ترامب “مستفيد من سيطرته الكاملة على حزبه والسياسة الداخلية الأمريكية، ما يسمح له بالقيام بأشياء لا يستطيع زعماء ديمقراطيون مثل جو بايدن القيام بها”. لكنه حذّر من أن الإدارة قد تبالغ في تقدير “استعداد حماس لنزع سلاحها، ورغبة الدول العربية في إرسال قوات أمنية”.
ورغم هذا النجاح الأمريكي الذي جرّ جميع أطراف الصراع إلى تبني خطته، فإنه لا يمكن أن يُخفي ثمانية أشهر من التخبط منذ عودة ترامب إلى السلطة. فقد دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، ومنح الأفق السياسي لليمين اليهودي المتطرف، عبر الوعد بتحويل غزة إلى “ريفييرا” وإجلاء سكانها الفلسطينيين إلى الدول العربية المجاورة، وهي فكرة رفضتها هذه الدول بشدة. وقد احتاجت واشنطن إلى أشهر لإعادة ضبط استراتيجيتها.
ظرفان جديدان
مضت صحيفة لوموند معتبرةً أن القصف الأمريكي لثلاثة مواقع نووية إيرانية في يونيو غيّر المعادلة لصالح إسرائيل. فقد بدا نظام طهران ضعيفاً إلى حد أن فصلاً جديداً انفتح بعد تدمير حزب الله اللبناني، وإنهاء تهديداته الوجودية للدولة العبرية. بقي فقط إنهاء الحرب في غزة. واستطاعت الإدارة الأمريكية استغلال ظرفين جديدين: أحدهما جهد دبلوماسي، والآخر إخفاق.
الجهد تمثّل في مبادرة السعودية وفرنسا للاعتراف بدولة فلسطين. ورغم أن إدارة ترامب رفضت نتائجها، فإنها لم تعرقلها فعلياً. وساهمت هذه المبادرة في إظهار عزلة إسرائيل، وهي نقطة استخدمها ترامب في محادثاته مع نتنياهو، كما وفّرت للإدارة الأمريكية، الضعيفة على المستوى العملي، أفكاراً واقتراحات جاهزة للعمل.
أما الظرف الثاني فكان فشلاً مدوّياً: الغارة الإسرائيلية على مبنى تابع لحماس في الدوحة يوم 9 سبتمبر، والتي أثارت صدمة عميقة في المنطقة، إذ اعتُبرت علامة على الغطرسة العسكرية الإسرائيلية ومصدر زعزعة للاستقرار. وتلقت الولايات المتحدة رسالة واضحة: حتى اتفاقات أبراهام، أي عملية التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، باتت مهددة في ذلك الخريف ما لم تُعد واشنطن حليفها الإسرائيلي إلى رشده، توضح صحيفة لوموند.
واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن واشنطن استوعبت سريعاً خطورة الأزمة، وجعلت أولويتها استرضاء قطر. وخلال زيارته للبيت الأبيض، اضطر نتنياهو لتقديم اعتذار للإمارة. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي نال مقابلاً في صفقة تبادلية على طريقة ترامب. فخلال كلمته أمام الكنيست الاثنين، أشاد الرئيس الأمريكي بـ“شجاعة” نتنياهو، بل وطالب بمنحه “عفواً رئاسياً” لتخليصه من متاعبه القضائية.
وهكذا اختُتم ما سماه الملياردير “السباق النهائي”، الذي بدأ على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل ثلاثة أسابيع فقط. وكلمة “نهائي” توحي بفتيل قصير، في حين أن جميع الأطراف تتوقع أن الطريق ما يزال طويلاً ويتطلب جهداً مستمراً، تقول لوموند.