طرابلس – «القدس العربي»: أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في تقرير رسمي رفعه إلى مجلس الأمن الدولي، أن ليبيا ما تزال تواجه تحديات معقدة تهدد مسار الاستقرار السياسي والأمني، وذلك رغم مرور أكثر من أربعة عشر عامًا على إنشاء بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL). وفق التقرير، هذه الملاحظة التقييمية تشير إلى أن وجود البعثة لم يحل دون استمرار حالة الهشاشة.
وأشار الأمين العام إلى أن البعثة أدت بالفعل دورًا مهمًا في إدارة الأزمات السياسية وتيسير العمليات الانتخابية والحد من العنف المحلي، لكن استمرار الانقسامات وتعدد مراكز القوى ووجود الأسلحة الثقيلة يعرقل وحدة البلاد وسلامة مؤسساتها، حسب قوله.
هذا الواقع دفع غوتيريش إلى التحذير من أن غياب تسوية سياسية شاملة سيبقي ليبيا عرضة لمخاطر الانقسام والتوتر الأمني، داعيًا إلى توحيد المؤسسات وتنفيذ خارطة طريق وطنية، وفقًا للتقرير.
ولتجاوز هذا المأزق، أوصى الأمين العام بضرورة إعادة تركيز جهود الأمم المتحدة على العملية السياسية طويلة الأمد ودعم التوازن بين الأطراف الليبية، مع التشديد على أهمية تخصيص موارد مالية إضافية لتعزيز دور البعثة وتحقيق أولوياتها الاستراتيجية، كما جاء في التقرير هذه التوصيات تشير إلى ضرورة تغيير النمط العملي للبعثة.
وفي تحليل لآلية عمل البعثة نفسها، اعترف التقرير بأنه «نادراً ما استند الوسطاء إلى ما حققه أسلافهم»، ما أدى إلى مبادرات سياسية مفككة وفقدان الذاكرة المؤسسية. هذا النمط، إلى جانب التشرذم السياسي المستمر وعدم الاستقرار الإقليمي، أثر بشكل كبير في قدرة البعثة على تنفيذ ولايتها منذ عام 2021، رغم تولي ستة أفراد رئاسة البعثة أو قيادة جهودها السياسية خلال تلك الفترة، كما أورد التقرير.
ويبرز التحدي الأكبر في الانقسام بين الشرق والغرب، حيث أكد التقرير «تصلب هيكل الحكم الثنائي في ليبيا منذ عام 2022». هذا التصلب يعكس ترسيخًا متزايدًا للمصالح المكتسبة للنخب، التي تفضل الحفاظ على الوضع الراهن، مما قوض جهود البعثة الرامية إلى تشجيع عملية سياسية يقودها الليبيون، حسب التقرير.
ويُعد الإخفاق في اعتماد إطار قانوني ودستوري قابل للتطبيق للانتخابات الوطنية والاتفاق على ترتيبات الحكم نتيجة مباشرة لهذا التصلب، وقد أدى ذلك إلى زيادة تآكل الثقة العامة والوحدة الوطنية، وفق ما جاء في التقرير.
هذا الوضع دفع البعثة لتبني موقف «يغلب عليه رد الفعل»، حيث جرى توجيه جزء كبير من مواردها نحو إدارة الأزمات ونزع فتيل التوترات والتفاوض على هدنات مؤقتة.
وبالرغم من أن هذه التدخلات لعبت دورًا مهمًا في الحفاظ على الاستقرار الهش، فإنها لم تفتح طريقًا واضحًا نحو حل سياسي مستدام، كما أكد التقرير.
ويزيد من صعوبة عمل البعثة محدودية وجودها الجغرافي، حيث أدت القيود الأمنية ومتطلبات التصاريح والضغوط المالية إلى حصر عملياتها إلى حد كبير في طرابلس، بحسب التقرير.
هذا الحصر الجغرافي يعني أن البعثة لديها وجود محدود جداً في بنغازي وموظف وطني واحد فقط في الجنوب، ولم يسمح الجيش الوطني الليبي لمراقبي وقف إطلاق النار بالانتشار في سرت.
وهذا التقييد على قدرة البعثة للتفاعل بشكل هادف في جميع أنحاء البلد يضعف مصداقيتها.
وفي سياق متصل، ذكرت هيئة الأمم المتحدة أن جهود المصالحة الوطنية في ليبيا تعرضت للتسييس من قبل القادة السياسيين المتنافسين، وتم استبعاد فئات معنية رئيسية منها، ولا سيما النساء والشباب والمجتمعات غير العربية، كما ورد في التقرير.
هذا الإقصاء سمح بـاستمرار دورات العنف والمظالم والإفلات من العقاب، لغياب عملية مصالحة شاملة قائمة على الحقوق.
وأدى هذا إلى تقويض الظروف الضرورية للمصالحة، خاصة مع تسبب الاعتقالات والاحتجازات التعسفية وتقلص الحيز المدني، بالإضافة إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لـخطاب الكراهية والتطرف في تفاقم الانقسامات، حسب الهيئة الأممية.
وحذرت الأمم المتحدة من أن صراعات السلطة حول السيطرة على الموارد والمؤسسات تهدد بدفع الدولة إلى حافة الانهيار، بالرغم من أن الترتيبات المؤقتة حالت دون وقوع أعمال عدائية واسعة النطاق حتى الآن، وفق التقرير.
وشددت على الحاجة إلى عملية سياسية متجددة تقودها الأمم المتحدة لاستعادة مسار موثوق نحو ليبيا موحدة ومستقرة.
وفي غياب هذه العملية، رجح التقرير الأممي أن يزداد الانقسام الفعلي للدولة ترسخاً، ما يعجل وتيرة الاتجاهات السلبية، وقد تتصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية إلى حد استئناف نزاع مسلح واسع النطاق، حسب تقديرات التقرير.
وأرجعت هيئة الأمم المتحدة استمرار الوضع الراهن إلى حد كبير إلى ثروة البلاد النفطية الهائلة، التي ساعدت على تجنب الانهيار المؤسسي حتى مع تآكل نزاهة وفعالية مؤسساته الاقتصادية والرقابية.
وأشارت الهيئة إلى أن السلطات في شرق وغرب البلاد حصلت على «إيرادات موازية»، كما جاء في التقرير.
ولدى تطرقه إلى الوضع الاقتصادي، لفت التقرير إلى ما شهده كل من مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة من نزاعات على القيادة، ما أدى إلى تعطل سير أعمالها نتيجة التنافس بين الجهات السياسية والمسلحة على السيطرة على الموارد، وفق التقرير.
وفي ظل غياب ميزانية وطنية موحدة منذ عام 2014، حصلت كل من حكومة الوحدة الوطنية والسلطات في الشرق على الأموال العامة من خلال تدفقات الإيرادات الموازية والتحويلات المخصصة من مصرف ليبيا المركزي، حسب الهيئة الأممية.
وتفاقمت المخاوف من انهيار الاقتصاد الليبي، حيث بلغ العجز في النقد الأجنبي 4.6 مليار دولار في الربع الأول من عام 2025 وحده، وهو رقم يقارب العجز المسجل في عام 2024 بأكمله، حسب الأمم المتحدة.
وإضافة إلى ذلك، لفت التقرير إلى افتقار ليبيا إلى نموذج حكم متماسك يربط السلطة المركزية بالمستوى المحلي بشكل فعال، حيث تعمل المجالس البلدية بموارد محدودة، وهذا يعود إلى أن السلطات الانتقالية لم تتمكن من توطيد مؤسسات موحدة ومهنية أو صياغة عقد اجتماعي جديد بعد الثورة، وفق الأمم المتحدة.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يؤدي معدل بطالة الشباب الذي يقارب 50% إلى جعل الشباب عرضة للتجنيد من قبل الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية، حسب الأمم المتحدة.
كما أن المرأة لا تزال تواجه حرمانًا هيكليًا كبيرًا وتمثيلًا ناقصًا في عمليات صنع القرار والحياة السياسية، ما يقوض جهود تحقيق الحوكمة الشاملة، حسب التقرير الأممي.
وأبرز التقرير أن سيادة القانون تعرضت لضغط شديد، مع تواصل التوثيق المنهجي لـ»التجاوزات والانتهاكات للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان» من قبل الأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة. كما أن الاعتداءات على القضاة والمدعين العامين والإجراءات التي تضعف استقلال القضاء تشير إلى تدهور خطير في الضمانات القانونية، كما قالت الأمم المتحدة.
وخلص التقرير إلى القول بأن العدالة والمساءلة لا تزالان بعيدتي المنال بالنسبة للعديد من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بمن فيهم المتضررون من فظائع مرزق وترهونة، وفقاً لنتائج التقرير. هذا الوضع يؤكد أن التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية في ليبيا مترابطة وتتطلب تغييرًا جذريًا في استراتيجية التعامل الأممي.