الجزائر- “القدس العربي”:
أثارت تصريحات مسؤول ثاني أكبر أحزاب الموالاة الجزائرية، منذر بودن، سجالا في الساحة السياسية وعلى مواقع التواصل، حيث اعتُبر خطابه الداعي لمواجهة التطرف وربط ذلك بمحاربة الإرهاب، لدى خصومه السياسيين، بمثابة إعادة النقاش إلى الوراء وفتح ملف العشرية السوداء من جديد.
وفي التجمع الشعبي الذي نظمه في جيجل شمال شرق البلاد، حذّر الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي (الأرندي) من “الأفكار المتطرفة التي تريد إعادة الجزائر إلى الوراء”، موجهاً أوامر واضحة إلى نواب حزبه ومناضليه لمواجهة هذا الفكر في كل فضاء سياسي أو اجتماعي.
وأكد بودن في كلمته أن الجزائر لن تقبل بأن يدفع أبناؤها من الجيش الوطني الشعبي أرواحهم مجدداً بسبب ما سماها “أزمات مفبركة قادمة من الخارج”، مشدداً على أن حزبه لن يسمح بتسلل أي فكر متطرف إلى المجتمع الجزائري، حتى في أبسط صوره. وقال إن “الجزائري واضح في هويته وثقافته وأصله، ولن نسمح بأن تفرض علينا أفكار غريبة عن بيئتنا”. وأضاف أن بعض السياسيين في الماضي تهوروا أو تقاعسوا، فسمحوا بدخول هذه الأفكار إلى البلاد، وهو ما كلف الجزائر ثمناً باهظاً من دماء أبنائها.
واعتبر الأمين العام للأرندي أن “مواجهة الفكر المتطرف اليوم مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن الدفاع عن الحدود”، داعياً أعضاء الحزب في البرلمان بغرفتيه والمناضلين عبر التراب الوطني إلى التصدي الحازم لكل فكر رجعي أو دخيل. وقال: “نحن أصحاب مرجعيات فكرية راسخة… عندنا البشير الإبراهيمي وعبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي والشيخ أحمد حماني وغيرهم، وهؤلاء يمثلون الإسلام الجزائري المعتدل والمتسامح”.
كما ربط بودن بين ضرورة إحياء الحياة السياسية في البلاد وبين ما سماه “الحروب الهجينة” التي تستهدف الجزائر من خلال المخدرات والهجرة غير الشرعية، مشيراً إلى أن الدولة الجزائرية دولة مؤسسات وليست “دولة صفحات”، في إشارة إلى ما يراه من خطر تضخيم الخطاب المتطرف عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وبحسب بودن، فإن “الرد على هذه الحرب يكون بتنشيط الأحزاب السياسية ودفع الشباب إلى الانخراط في العمل الوطني المسؤول”.
وفي خطابه، بدا السياسي الشاب بكلماته المنتقاة بعناية، وكأنه يعيد فتح ملف العشرية السوداء محمّلاً مسؤوليتها لسياسيين سابقين، ما أعاد إلى الأذهان خطاباً طالما ارتبط بتاريخ الحزب وأدواره في تلك المرحلة الحساسة. ولم تمر تصريحات بودن دون رد فعل، إذ كتب أحمد صادوق، نائب رئيس حركة مجتمع السلم، في منشور عبر صفحته على فيسبوك، موجهاً كلامه ضمنياً إلى الأمين العام للأرندي: “نصيحة حتى لا توصف بالمراهقة السياسية… إلى السياسي الذي دُفع إلى الساحة حديثاً، تمهل وخذ العبرة ممن سبقوك، ولا شك أنهم كانوا أقوى وأذكى منك”. وقد فُسّر هذا الرد على نطاق واسع كتعليق مباشر على خطاب بودن، خصوصاً بعد أن ربط الأخير بين التطرف ومسؤولية السياسيين في ما حدث خلال العشرية السوداء.
أما داخل التجمع الوطني الديمقراطي، فقد قوبل خطاب بودن بحماس من أنصاره وقياداته، حيث نشر القيادي في الحزب هاشم ساسي تدوينة قال فيها إن “كلام الأمين العام كان قوياً ومباشراً حول محور مهم في سياسة الحزب بمواجهة الفكر الرجعي المتطرف”، مضيفاً أن “القاعة وقفت تصفيقاً مطولاً في قلب ولاية عانت كثيراً من ويلات الإرهاب والتطرف”. وأكد ساسي أن بودن عبّر عن موقف ثابت للحزب حين قال: “لن نقبل أن ندفع أنهاراً جديدة من دماء أبناء جيشنا بسبب أفكار مستوردة، ولن نسمح بإعادة سيناريو العشرية السوداء”.
في المقابل، أطلقت تصريحات بودن موجة من ردود الفعل المتباينة على شبكات التواصل الاجتماعي. فقد أيد بعض المعلقين كلامه واعتبروه ضرورياً لمواجهة الفكر المتطرف الذي وجد له طريقاً للعودة عبر المنصات الرقمية، مؤكدين أن المجتمع الجزائري بحاجة إلى العودة إلى مرجعياته الفكرية والدينية المتسامحة، بعيداً عن التيارات السلفية التي تحاول فرض رؤاها على المجتمع بأفكار قادمة من الخارج. وكتب البعض أن “منذر بودن قال ما يجب أن يقال، لأن الجزائر لا تتحمل تجربة ثانية من الفوضى باسم الدين”.
لكن في الجهة المقابلة، رأى آخرون أن خطاب بودن يعيد الجزائر إلى مرحلة تجاوزها النقاش السياسي، معتبرين أن الخوض في قضايا “الفكر المتطرف” في هذا التوقيت يخدم أغراضاً سياسية أكثر مما يخدم النقاش الوطني الحقيقي. وذهب بعض المعلقين إلى أن “توظيف هذه اللغة في الخطاب الحزبي هو محاولة لإحياء الصراع الأيديولوجي القديم بين الإسلاميين والعلمانيين”، في حين تحتاج البلاد، حسبهم، إلى نقاش حول التنمية والاقتصاد وحقوق المواطنين لا إلى العودة إلى مناخ الخوف من الآخر.
وقد دفع هذا الجدل كثيرين إلى إعادة النظر في موقع التجمع الوطني الديمقراطي ضمن المشهد السياسي الراهن، بالنظر إلى تاريخه المثير للجدل. فالحزب الذي تأسس سنة 1997 في قلب الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر، جاء نتيجة رغبة السلطة آنذاك في خلق توازن سياسي جديد بعد أن تبنت جبهة التحرير الوطني موقفاً معارضاً بقيادة عبد الحميد مهري. سرعان ما صعد الأرندي في أول انتخابات تشريعية ليحصد الأغلبية، وسط اتهامات من خصومه بالتزوير والتوظيف الإداري، ثم تحول إلى أحد أعمدة الموالاة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة طوال عشرين سنة من حكمه.
خلال تلك الحقبة، برز اسم أحمد أويحيى كأحد أقوى زعماء الحزب، حيث تولى رئاسة الحكومة في عدة مناسبات، قبل أن يدخل السجن بعد الحراك الشعبي بتهم فساد. ورغم الانهيار الذي أصاب الحزب عقب 2019، ظلّ الأرندي حاضراً في الساحة السياسية بفضل شبكاته المحلية وخبرته في تسيير الشأن العام. ومع انتخاب منذر بودن أميناً عاماً، عاد الحزب إلى الواجهة، هذه المرة تحت قيادة شاب ينتمي إلى جيل جديد رغم أن تاريخه القريب يكشف دفاعه القوي عن الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة والعهدة الخامسة قبل سقوطها بفعل الحراك.