لندن ـ “القدس العربي”:
وجدت دراسة نشرت نتائجها يوم الأربعاء في المجلة الطبية البريطانية “ذي لانسيت” أن حوالي 55,000 طفلا في مرحلة ما قبل الدخول في المدرسة بغزة يعانون من سوء تغذية حاد.
وأظهرت الدراسة وجود صلة واضحة بين القيود الإسرائيلية على المساعدات وسوء التغذية لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وخمس سنوات. وكشفت الدراسة أن هذا الرقم يفوق بكثير العدد الذي تم تحديده حتى الآن كضحايا لسوء التغذية الحاد الذي قد يؤدي إلى الوفاة. وتقدم الدراسة، التي أجرتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، تحليلا شهريا لمعظم فترة الصراع المستمر منذ عامين، وتظهر لأول مرة وجود صلة واضحة بين القيود الإسرائيلية على دخول الإمدادات إلى غزة ومستويات سوء التغذية لدى الأطفال.
وقالت صحيفة “الغارديان” في تقرير أعده جيسون بيرك وأندرو غريغوري إن نتائج البحث تأتي وسط تفاؤل حذر بأن المحادثات غير المباشرة بين حماس وإسرائيل الجارية في مصر قد تفضي إلى إنهاء الحرب. وأعلن دونالد ترامب الأسبوع الماضي عن خطة من 21 نقطة، التي نوقشت في منتجع شرم الشيخ على البحر الأحمر. وتدعو الخطة إلى وقف إطلاق النار وإعادة الأسرى الذين لا تزال حماس تحتجزهم وزيادة المساعدات إلى غزة “دون تدخل، من خلال الأمم المتحدة ووكالاتها، والهلال الأحمر”. وقال الدكتور أكيهيرو سيتا، مدير الصحة في أونروا وأحد مؤلفي الدراسة، إن المزيد من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية سيموتون ما لم تتوقف الأعمال العدائية وتقدم “خدمات إنسانية دولية غذائية وطبية واقتصادية واجتماعية كافية وبدون معوقات”. ووجدت الدراسة أن عامين من الحرب تركت “تداعيات جسدية خطيرة” على عشرات الألاف من الأطفال في غزة.
واستخدم الباحثون قياسات محيط أذرع 220,000 طفلا تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وخمس سنوات في غزة بين كانون الثاني/يناير 2024 وآب/أغسطس 2025، عندما أعلنت لجنة من الخبراء المستقلين مدعومة من الأمم المتحدة عن المجاعة في أجزاء من غزة. وفي كانون الثاني/يناير 2024، ظهرت علامات الهزال على نسبة 5% من الأطفال الذين خضعوا للفحص.
وارتفعت النسبة إلى ما يقرب من 9% بعد ستة أشهر، وفقا للباحثين. وبعد أن فرضت إسرائيل قيودا صارمة على المساعدات اعتبارا من نهاية عام 2024، تضاعف معدل انتشار الهزال تقريبًا بحلول كانون الثاني/يناير 2025.
وعندما سمح وقف إطلاق النار لمدة ستة أسابيع بدخول المزيد من المساعدات إلى غزة، انخفض الهزال بشكل ملحوظ قبل أن تفرض إسرائيل حصارا مشددا لمدة 11 أسبوعا في آذار/مارس. وعلى الرغم من تخفيف هذه القيود في أيار/مايو 2025، ارتفعت مستويات الهزال بين الأطفال الذين تم فحصهم إلى ما يقرب من 16٪، حيث يعاني ما يقرب من ربعهم من سوء التغذية الحاد الشديد، وهو أخطر أشكال هذه الحالة. وقال الباحثون إن هذا يعادل من بين إجمالي سكان غزة المقدر أكثر من 54,600 طفلا حتى سن ست سنوات يحتاجون إلى تغذية طارئة ورعاية طبية، بما في ذلك 12,800 طفلا يعانون من الهزال الشديد.
واتهمت إسرائيل حماس بنهب الكثير من المساعدات التي تصل إلى غزة، لكنها لم تقدم أدلة على أي قدر كبير من السرقة، كما أكد التقرير. كما اتهمت وكالة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة، وهي الوكالة الإسرائيلية التي تتحكم في دخول المساعدات إلى غزة، حماس بتعمد منع المدنيين من الوصول إلى المساعدات بإطلاق الصواريخ على مواقع توزيع المساعدات.
وقتل أكثر من 1,400 فلسطينيا في الفترة ما بين أيار/مايو – تموز/يوليو في مراكز توزيع المساعدات، منهم 859 في محيط مراكز التوزيع الأربعة لمؤسسة غزة الإنسانية التي دعمتها إسرائيل والولايات المتحدة، فيما قتل 514 في طريق مرور قوافل الإمدادات الغذائية، حسب أرقام الأمم المتحدة التي قالت إن معظم القتل تم برصاص القوات الإسرائيلية.
وتقول وكالات الإغاثة إن القيود الإسرائيلية تمنع وصول الكثير من المساعدات إلى غزة، وإن الظروف التي خلقتها الحرب والقرارات الاستراتيجية الإسرائيلية جعلت من شبه المستحيل عليها العمل.
وقالت الدكتورة ماساكو هورينو، عالمة الأوبئة الغذائية في الأونروا والباحثة الرئيسية في الدراسة، إن الأدلة قبل الحرب تشير إلى أن الأطفال في أسر اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة كانوا بالفعل “يعانون من انعدام الأمن الغذائي” ولكنهم كانوا يعانون من نقص طفيف في الوزن. وأضافت هورينو: “بعد عامين من الحرب والقيود الشديدة على المساعدات الإنسانية، يعاني عشرات الآلاف من الأطفال في سن ما قبل المدرسة في قطاع غزة الآن من سوء تغذية حاد يمكن الوقاية منه ويواجهون خطرا متزايدا للوفاة”.
قال خبراء بارزون في صحة الطفل وأطباء أطفال إن الدراسة “بارزة ومهمة” بشكل خاص لأنها أول دراسة طبية رئيسية تكشف عن مدى سوء التغذية بين الأطفال في غزة بعد عامين من الحرب. وفي مقالة تحليلية نشرت في مجلة “ذي لانسيت”، قال ذو الفقار بوتا وجيسيكا فانزو وبول وايز، الذين لم يشاركوا في البحث: “من الثابت الآن أن أطفال غزة يتضورون جوعا ويحتاجون إلى مساعدة إنسانية فورية ومستدامة. وتقدم دراسة هورينو بعضًا من أكثر الأدلة القاطعة حتى الآن على هذا التأثير”.
كما أشاد بوتا، من مستشفى الأطفال المرضى في كندا، وفانزو، من جامعة كولومبيا، ووايز، من جامعة ستانفورد، بالباحثين لاستخدامهم الأدلة العلمية “لإظهار ضرر جسيم يمكن الوقاية منه للأطفال”. وتشير هذه البيانات الزمنية بقوة إلى أن القيود المفروضة على الغذاء والمساعدات أدت إلى سوء تغذية حاد بين الأطفال في قطاع غزة، وهو واقع سيؤثر بلا شك على صحتهم ونموهم المستقبلي لأجيال”.
وعلى الرغم من أن الاهتمام قد ركز في الغالب على النتائج قصيرة المدى للمجاعة، إلا أنه ينبغي أن يكون هناك أيضا “قلق بالغ” بشأن آثارها الصحية طويلة المدى، والتي شملت “مخاطر عالية بشكل غير عادي للأمراض غير المعدية”، كما أضافوا. ووجدت الدراسة أنه في رفح، المدينة الجنوبية في غزة، كانت هناك زيادة بمقدار أربعة أضعاف في سوء التغذية الهزيل بعد أن شنت إسرائيل هجوما واسع النطاق على المدينة ودمرتها. ثم حدث انخفاض حاد في نيسان/أبريل 2025 بعد وقف إطلاق النار قصير الأمد. وفي مدينة غزة، ارتفع معدل انتشار سوء التغذية الناتج عن الهزال بأكثر من خمسة أضعاف منذ آذار/مارس 2025، ليصل إلى ما يقرب من 30% في منتصف آب/أغسطس 2025.
وقال جيمس إلدر، المتحدث باسم اليونيسف، الأسبوع الماضي إن مدينة غزة تشهد “حالة من الذعر الشديد وجوع شديد”. وأضاف: “من الصعب وصف مدى اليأس هناك. هناك عشرات الآلاف من الأطفال. حوالي ثلثي السكان لا يستطيعون المغادرة وهناك نساء حوامل يتناولن وجبة واحدة يوميا. المزيد من شاحنات المساعدات تصل، لكن هذا لا يمثل سوى جزء بسيط مما نحتاجه”.
وإلى جانب هورينو شارك في الدراسة الواسعة سناء النجار وعمرو طبازة وحياة الخماش ورهام الجفال وجياجين شن وغادة الجدبة والبرفسور كيث بي.ويست. واستخدم الباحثون 16 مركزا صحيا تابعا لأونروا (الأونروا) و78 نقطة طبية أُنشئت داخل ملاجئ المدارس ومعسكرات الخيام في جميع أنحاء محافظات غزة الخمس.