القاهرة ـ «القدس العربي»: من خلال الدورة الثالثة لمهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة، تم تقديم العرض المسرحي «الخروج»، والمأخوذ عن نص مسرحي بالاسم نفسه للكاتبة التركية عدالت أوغلو. العرض أداء.. خالد رأفت، أميرة رضا، ورضوى أحمد. دراماتورج خالد توفيق. ديكور إسلام جمال. إضاءة محمود علاء. موسيقى أسامة حامد. استعراضات أحمد حسن. عرائس محمد عزوز. ماسكات بسنت مصطفى. ماكياج إيمان مندور. إخراج ساندرا سامح.
مسرح عدالت أوغلو
عدالت أوغلو (1929 ــ 2020) روائية وكاتبة مسرحية تركية، دارت أعمالها حول نقد السلطة السياسية والنظام الاجتماعي، لتصبح شخصيتها الأساس هي (المرأة)، متمثلة بذلك العنصر الأضعف، لتبدو المفارقة غير المباشرة أن الأكثر ضعفاً في المواجهة هو الرجل. على هذا الأساس تنوعت أعمالها ما بين المسرح والرواية، وحتى المقالات النقدية.
المرأة
ورغم أن الكاتبة اتخذت من المرأة موضوعها، إلا أنها لا تدور في فلك الكتابات النسوية المعهودة، والمستوردة من الغرب كما في عالمنا العربي. فقد كانت تقدّر تماماً ثقافتها وتراثها الثقافي والفني. بمعنى أن تجربتها نابعة من واقع عايشته، وعانت منه بدورها، فالقيود السياسية والاجتماعية كانت العدو الأول، سواء للرجل أو المرأة، وهو العدو الذي لم تنج منه مختلف الطبقات والفئات. ليبدو التساؤل المنطقي في معظم نصوصها.. كيف لمسلوب الحرية أن يسمح بها لغيره، ناهيك من نساء استسلمن لهذه الاستكانة، معتبرات سعادتهن لحظة راهنة تمتد طيلة حياتهن، وفق مفهوم القضاء والقدر. فهي هنا ـ الكاتبة ـ تدين المرأة أيضاً، التي لا تحاول كسر القيود المفروضة عليها، وبذلك تختلف عن النظرة القاصرة لفكرة النسوية المستوردة، والتي ـ كمعظم الأفكار والنظريات ـ تنامت وتأصلت في وسط سياسي واجتماعي مختلف تماماً عن المجتمعات الشرقية.

العبث
كُتبت مسرحية «الخروج» عام 1970 وتناولت حالة العزلة والخوف من مواجهة المجتمع، نتيجة تسلط أب على ابنته الوحيدة. فهو بالأساس خائف من هذه المواجهة، وبالتالي سرّب هذا الخوف/الرعب إلى ابنته، وهي بدورها الوحيدة التي يمكن أن يمارس عليها سلطة مفقودة. ووفق هذه الفكرة جاء أسلوب العبث الذي انتهجته الكاتبة، وهو بدوره يختلف عن عبث المسرح الغربي ومقوماته الفكرية. «فرغم أن مسرحيات أوغلو تستند إلى العناصر العبثية والمجردة وتتضمن صوراً رمزية وخيالية، لكنها تتناغم وحقيقة الواقع المعاش.. وتبدو ملامح المسرح العبثي، من خلال تناولها لمفهومي الخوف من العالم الخارجي والانعزالية، وتستعرض على نحو رمزي، العلاقة بين الرأسمالية والبطركية، والانعزالية والخوف من الخارج، والأشخاص المتعرضين للقمع والاضطهاد. شخصية الفتاة في مسرحية «الخروج»، تضع نهاية للسلطة البطركية، وتتحرر بكسر القيود المفروضة عليها، تخرج من البيت لتواجه المجهول في العالم الخارجي، غير آبهة بالنتائج المترتبة على تحررها». (محمد حقي صوتشين. دراسة نقدية لمسرح عدالت أوغلو).
مفارقة حياتية
من ناحية أخرى ترفض عدالت أغلو تماماً أن يتم النظر إلى تراثها وتراث المنطقة وفق رؤية استشراقية، وعن وعي تام تعرف كيف ينظر الغرب إلى بلدها أيام مجده الغابر، وكيف تمت صياغة هذه النظرة وتأصيلها حتى ضمن ثقافتها الحديثة. فهناك مفارقة تعيشها الكاتبة، وتحيا من خلالها متمثلة في موقفين ذكرتهما في حواراتها، فتقول.. «لولا قرار أتاتورك بحبس كل مَن لا يُرسل بناته إلى المدرسة، ما كنت تعلمت وأصبحت كاتبة. لكن التغيير الجذري من دون بنية تحتية شيء خطير، فقرار تغيير الحروف من العثمانية إلى اللاتينية جعل مثقفي الأمس جهلة. تخيل أن تكون مثقفاً، وفي اليوم التالي لا تستطيع القراءة، حتى اسمك لا تعرف كيف تكتبه!».
العرض المسرحي
في قبو أشبه بالمقبرة يعيش أب وابنته الشابه، التي رغم تجاوزها الخامسة والعشرين، إلا أن عقلها لم يتخط مرحلة الطفولة، فهي بالكاد تتذكر أمها التي هربت من هذا المكان، ولا تجد إلا عروسة خشبية تحادثها الفتاة وتختلق لها حياة. هذه الدمية التي لا تستطيع الوقوف على قدميها، فقط تستبدل لها ملابسها كلما سمحت الظروف. يعيش الأب وابنته في هذه العزلة خوفاً من الحشرات والوحوش التي في الخارج، فالرجل يشتري مستحضرات لقتل الحشرات التي تصل إلى البيت من خلال شقوق الجدران، حتى الفتاة يتسرب إليها الإحساس بأن جسدها أصبح مرتعاً لهذه الحشرات، وكلما تحاول الخروج وتحلم برؤية العالم يحذرها والدها بالرعب والهلاك الذي ينتظرها.
من خلال الديكور والإضاءة لتجسيد حشرات زاحفة ومتنوعة تزحف وتملأ الجدران، يتمثل هذا العالم المرعب. مع ملاحظة أن الرعب المتجسد يظهر داخل المنزل، أما الرعب الموهوم فيتمثل كفكرة عن الخارج، فقط سماع أصوات ما يشبه أصوات الوحوش، أصوات في مخيلة الأب، ويصر على نقلها إلى ابنته.
من ناحية أخرى تأتي حركات الفتاة الجسدية وكأنها تتمثل بدورها شكل الحشرة، ذلك في حواراتها مع أبيها، بخلاف رقصها وحوارها مع دميتها، فتعود سيرتها إلى كونها إنسانة، مهما كان حديثها طفوليا، فهي لم تغادر عهد طفولتها بعد.
المشكلة في العرض هو شبه الالتزام بالنص المسرحي، إضافة إلى أغنيات تعبّر عن حالة الفتاة، ما خلق حالة من الملل والتكرار للفكرة، فلم يضف شيئاً إلى العرض، رغم اجتهاد الممثلين في توصيل هذه الفكرة.
المشكلة الأخرى ــ وهي في النص نفسه ــ ولم تستطع المخرجة ومُعد النص تجاوزها، أن الأب هو الذي يدفع ابنته في النهاية للخروج وتجاوز الباب المغلق، فقد تحررت الفتاة بوازع من الأب، الذي فجأة يكتشف جنايته في حبس الفتاة جواره، فماذا لو تحملت هي المسؤولية الكاملة لقرارها، وهو ما يُذكّر بمسرحية هنريك إبسن (بيت الدمية) وقرار (نورا) بترك المنزل وتحملها مسؤولية هذا القرار.