طرابلس – «القدس العربي»: تجدد الجدل حول قضية تفجير طائرة لوكربي التاريخية، ليضعها مرة أخرى في صدارة الأحداث الليبية الغربية، ليس بسبب ظهور أدلة جديدة في وقائع الحادث، بل نتيجة إفادات مثيرة وغير مسبوقة أدلى بها المتهم الليبي أبوعجيلة مسعود المريمي.
وتتركز الإفادات الجديدة حول اعتراف منسوب إليه، يشدد المريمي ومحاموه على أنه انتُزع منه قسرًا وتحت تهديد السلاح، بينما تصر وزارة العدل الأمريكية على شرعيته ودقته.
من المقرر أن يمثل الضابط الليبي السابق أمام المحكمة الجزئية لمقاطعة كولومبيا في نيسان / أبريل 2026، بعد تأجيل محاكمته التي كان مقررًا لها في يونيو الماضي لأسباب صحية ولإتاحة وقت إضافي للدفاع.
ويسعى محامو المريمي، المحتجز لدى الولايات المتحدة منذ عام 2022، إلى منع هيئة المحلفين من الاطلاع على اعترافه المزعوم الذي أدلى به في ليبيا، مؤكدين أنه لا يمكن الاعتداد به قانونيًا لأنه جاء نتيجة الإكراه.
وأفادت إذاعة «بي بي سي» البريطانية بأن المريمي دفع ببراءته من التهم الموجهة إليه.
ويوضح فريق الدفاع في طلبه الرسمي للمحكمة الفيدرالية أن موكلهم تعرض للخطف من منزله وحُرم من حقوقه القانونية في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي.
وأشاروا إلى أن ثلاثة رجال مقنعين هم من أجبروه على حفظ وتكرار كلام مكتوب في ورقة، تحت التهديد بإيذاء عائلته وأطفاله الستة، وهو ما اضطر المريمي لتنفيذه خوفًا على حياته.
ويؤكد محامو المريمي أن موكلهم اضطر لترديد ما أملي عليه، وأن الاعتراف لم يكن طوعيًا، مشيرين إلى رفض المحاكم الأمريكية للاعترافات القسرية بموجب الدستور.
في المقابل، يزعم الادعاء الأميركي أن المريمي، البالغ من العمر 74 عامًا، شارك في صناعة القنبلة التي أسقطت طائرة بان آم 103 فوق مدينة لوكربي الاسكتلندية عام 1988، ما أدى إلى مقتل 270 شخصًا.
وتكشف الشكوى الجنائية لمكتب التحقيقات الفيدرالي أن المريمي اعترف طواعية بمشاركته في الهجوم، بل واعترف أيضًا بالتورط في هجمات إرهابية أخرى ضد أمريكيين، مثل محاولة فاشلة لاغتيال سياسي أمريكي بمعطف مفخخ ومحاولة تفجير مقهى في برلين عام 1986.
ورداً على طلب محامي المريمي، زعم محامو وزارة العدل الأميركية أن محامي الدفاع يطلبون من المحكمة «إخفاء أدلة بالغة الأهمية تثبت ذنب المريمي في هجومين إرهابيين كبيرين ضد أميركيين».
وأكدوا أن «رواية مسعود للأحداث غير معقولة وغير صحيحة»، مدعين إمكانية إثبات صحة مضمون الاعتراف «بأدلة مستقلة موثوقة جُمعت على مدى سنوات عديدة».
ويعود الكشف عن اعتراف المريمي للمرة الأولى إلى عام 2020، عندما وجهت إليه الولايات المتحدة تهمة بناء وحيازة القنبلة. ويدعي الادعاء أن المريمي أدلى باعترافه خلال عام 2012، لكن السلطات الليبية لم تكشف عنه إلا في عام 2017، عندما سلمت نسخة منه إلى المحققين في إسكتلندا، الذين بدورهم سلموها إلى الولايات المتحدة.
وفي محاولة لدحض ادعاءات الإكراه، قال محامو وزارة العدل الأميركية إن مسعود وغيره من أعضاء جهاز مخابرات القذافي السابقين احتُجزوا في «سجن سري يديره تشكيل مسلح» بعد سقوط النظام، مشيرين إلى أن هذا السجن كان «المكان الأكثر أمنًا بالنسبة إلى مسعود وغيره من أعضاء النظام» في خضم الفوضى.
وزعموا أن ضابط الشرطة الليبي الذي حقق معه كان «متمرساً» وأدرك حساسية المعلومات، فأخفى التقرير في منزله لثلاث سنوات قبل تسليمه في عام 2015 لمسؤول ليبي بارز.
كما نقلت «بي بي سي» عن ضابط الشرطة الذي استجوب المريمي مزاعم تفيد بأن «السجن كان يدار بشكل جيد، دون وقائع تعذيب أو إكراه»، وأنه على مدار يومين «فصّل المريمي، الذي كان يتمتع بصحة جيدة، تورطه في تفجير طائرة لوكربي ومقهى ليلي في برلين».
وفي المقابل، ترفض أسرة المريمي تأجيل المحاكمة، معتبرة أن نجلها «يواجه السجن مدى الحياة دون حكم محكمة»، ومجددة الحديث عن عدم شرعية الاعتقال والترحيل.وتعد قضية لوكربي من أعقد الملفات التي واجهت العلاقات الليبية الغربية.
وأسفر التفجير عن مقتل 259 شخصًا كانوا على متن الطائرة، معظمهم أميركيون، بالإضافة إلى 11 آخرين على الأرض.
وكانت المحاكمة الوحيدة السابقة في القضية قد أدانت ضابط الاستخبارات الليبي عبدالباسط المقرحي في عام 2001، الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد قبل الإفراج عنه لأسباب صحية في 2009 وتوفي في طرابلس عام 2012. بينما جرى تبرئة المتهم الآخر الأمين فحيمة.
وتجدر الإشارة إلى أن مندوب ليبيا السابق لدى الأمم المتحدة ووزير الخارجية الأسبق، عبد الرحمن شلقم، كان ضمن الفريق الذي عمل على حل الأزمة، وقد أكد سابقًا أن جميع ملفات الخلاف بين ليبيا والدول الغربية، بما فيها لوكربي وملهى لابيل وطائرة (يو تي إي) الفرنسية، قد «سُويت وأُغلقت نهائيًا»، في رسالة ضمنية إلى ضرورة عدم إعادة فتح هذه الملفات.
وأدت تسوية هذه الملفات إلى إنهاء الحصار المفروض على ليبيا وفك العزلة الدولية عن نظام القذافي.
وتستمر التطورات القانونية الحالية في قضية المريمي في إبقاء ملف لوكربي مفتوحاً، حيث تنتظر المحكمة الفيدرالية في واشنطن جلسة الاستماع الأخيرة للنظر في طلب الدفاع باستبعاد الاعتراف المزعوم قبل المحاكمة المقررة، ليظل السؤال الأهم هو ما إذا كان الاعتراف الذي سيُعتمد عليه في إدانة المريمي قد انتُزع تحت التهديد أم أدلى به «طواعية ودقة ومصداقية» كما يزعم الادعاء الأميركي.