قدّمت «خطة ترامب» لإنهاء الحرب في غزة، «خريطة طريق» لبّت شروط الحد الأدنى للمطالب العربية ـ الإسلامية، التي توافق عليها المجتمعون مع الرئيس الأمريكي أثناء فعاليات قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، والراغبة في وقف الإبادة ومخاطر التطهير العرقي للفلسطينيين، وضم الضفة الغربية.
تسمح الخطة للرئيس الأمريكي بوقف التآكل الهائل في مصداقية الولايات المتحدة، وفي خسائرها السياسية والاقتصادية، وخصوصا بعد العدوان الذي نفّذته إسرائيل على قطر، وما تبعه من «اتفاق نووي» بين السعودية وباكستان، بالتزامن مع «مؤتمر نيويورك» لحل الدولتين، وموجة اعترافات حلفاء أمريكا الغربيين بدولة فلسطين، من دون أن ننسى الاستعصاءات العسكرية ـ الأمنية الكبيرة الأخرى في لبنان وسوريا واليمن (وإيران) وحتى في العلاقات مع الدول «المطبّعة» مع الدولة العبرية التي واجهت، لأول مرة في تاريخها، عزلة سياسية كبيرة، مع رفض شعبيّ هائل في العالم انعكس، إلى حد واضح، حتى في أمريكا نفسها.
يمثّل رد «حماس» على مبادرة ترامب، حلا متوازنا بين القيادة السياسية (الموجودة في الخارج) التي كانت منفتحة على الخطة (مع إجراء تعديلات عليها) والعسكرية (الموجودة في القطاع) التي رأت فيها خطة للقضاء على الحركة، واحتلالا استعماريا جديدا. جاء حلّ الحركة لهذا الاختلاف عبر صياغة ذكية تشهر الموافقة على وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى الفلسطينيين والإسرائيليين (مع المطالبة بمناقشة تفاصيل ذلك) ولكن من دون الإعلان عن نزع سلاح المقاومة أو التخلّي عن سلطتها على القطاع.
تعتبر الخطة «خريطة طريق» مليئة بالتفاصيل الغامضة، التي تحتاج، في مفاصلها الرئيسية، إلى مفاوضات شاقة، والأكيد أن حكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلية، التي انزعجت من إعلان «حماس» موافقتها، كما أشارت وسائل إعلام إسرائيلية، ستحاول تأويل هذه التفاصيل، واستغلال تلك المفاوضات، للتلاعب في شروطها وبنودها وتطبيقاتها.
معلوم أن نتنياهو، كان يعمل على إعاقة الاتصالات وتشويش إمكانيات الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ومعلوم أن وزيره الإبادي، إيتمار بن غفير، تفاخر بأنه هو نفسه أوقف المرة تلو الأخرى إمكانية إنجاز صفقة مع «حماس» ومن المفروغ منه أن هذه المواقف ستتواصل فيما يخصّ الخطة الحالية، وتفاصيلها الحساسة.
المرجّح أن تتركز مناورات نتنياهو، على عدم وقف العمليات الحربية بشكل نهائي، وكذلك على حدود انسحابات إسرائيل المقبلة والجداول الزمنية لتنفيذها (وهناك أمثلة واضحة على ممارسات إسرائيل هذه في لبنان وسوريا) وفي المرحلة التالية لوقف الحرب، سيحرص نتنياهو على منع أي وجود سياسي فلسطيني في إدارة غزة.
من جهتها، ستركّز الدول العربية ـ الإسلامية، على مسائل الضمانات والتعهدات الأمريكية التي يطلبها الفلسطينيون من الولايات المتحدة لتنفيذ الخطة، وعلى دعم مطلب وضع إدارة القطاع تحت المسؤولية الفلسطينية، وعلى إعادة السيطرة على المعابر مع غزة (بالتنسيق مع الآلية الدولية المزمع تأسيسها) تمهيدا لدخول قوة عربية ـ دولية، وبدء الإعمار.
يتلخّص المسعى الإسرائيلي المقبل بوأد ما يشير إلى سيادة فلسطينية مقبلة على القطاع، وبالعمل على تحويل «مجلس إدارة غزة» إلى مقاول من الداخل لإسرائيل، فيما يقوم الجهد العربي ـ الإسلامي على تحويل «حماس» إلى حزب سياسي، واستغلال الدور الاقتصادي الكبير المطلوب من الدول العربية ـ الإسلامية في إعادة الإعمار في فرض مطالب العرب لإعادة غزة إلى السيادة الفلسطينية.