كان المثقف العراقي الكبير سهيل سامي نادر يردد حكمة تقول: لا يمكن فهم السياسة في العراق من دون تحليل نفسي للقائمين عليها، والمشتغلين فيها. وتصدق هذه الحكمة تماما على «متلازمة تجديد الولاية» في العراق!
وتعرف المتلازمة بأنها اضطراب يتضمن مجموعة معينة من العلامات والأعراض، ومن بين هذه الأعراض ما يعرف بـ «متلازمة البطل» وهي ظاهرة نفسية يظهر فيها الأفراد رغبة قوية في أن يُنظر إليهم بوصفهم أبطالا لا غنى عنهم، وغالبا ما يتوهمون في أنفسهم صفة «المنقذ» أو «المخلص»، ويكون، في أحيان كثيرة، المحرك الرئيسي لهذا السلوك هو رغبة عميقة في إثبات الذات، وتعويض مشاعر النقص، وليس الإيثار الحقيقي أو العطاء النقي، وهي تدفع بصاحبها إلى القيام بسلوك استعراضي ومراوغ، بهدف كسب المديح والتقدير!
في تاريخ العراق الحديث، لم يغادر أحد السلطة إلا مرغما! لا فرق هنا بين عهد ملكي أو عهد جمهوري؛ فرؤساء العراق بين عامي 1958 و 2003 (باستثناء عبد الرحمن عارف وأحمد حسن البكر الذين أرغموا على ترك مناصبهم بعد انقلاب عسكري بالنسبة للأول، وانقلاب داخلي بالنسبة للثاني) فإن الثلاثة الآخرين تركوا مواقعهم بإعدام على الهواء (عبد الكريم قاسم) ووفاة بحادث طائرة (عبد السلام عارف) وإعدام من خلال محاكمة شكلية (صدام حسين). وجميعهم توهموا أنهم المنقذون والمخلصون، ومنح بعضهم نفسه ألقابا تحيل إلى ذلك، من الزعيم الأوحد إلى القائد الضرورة!
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، ومع الديمقراطية القسرية الهجينة التي فرضها المحتلون، لم يلتزم العراقيون بشيء من هذه الديمقراطية سوى بالتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع، ولو نسبيا، فسرعان ما ظهرت متلازمة تجديد الولاية أو السلطة؛ وبدأت مع رئيس مجلس الوزراء إبراهيم الجعفري الذي ظل مصرا على الولاية الثانية، وعطل تشكيل الوزارة لستة أشهر كاملة (كان يفترض تشكيل الوزارة قبل نهاية كانون الأول 2006) ليضطر المرجع الأعلى السيد علي السيستاني لإجباره على الانسحاب في النهاية، بعد أن عجز العراقيون والأمريكيون عن ذلك!
وتكرر الأمر مع رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي؛ فبعد رفض مقتدى الصدر وعمار الحكيم تجديد الولاية الثانية له عام 2010، تأخر تشكيل الوزراة ستة أشهر تقريبا، قبل أن يتدخل الإيرانيون بشكل مباشر لإقناع الصدر بقبول فكرة التجديد للمالكي! وبعد انتخابات 2014 أصر الرجل على الولاية الثالثة وعقد تحالفات مع أطراف سنية ليتمكن من ذلك، خاصة بعد أن تمكن من انتزاع قرار من المحكمة الاتحادية يقضي بعدم دستورية قانون شرعه مجلس النواب يقضي بعدم جواز تولي منصب رئيس مجلس الوزراء من قبل نفس الشخص لأكثر من ولايتين متتاليتين او غير متتاليتين في العام 2013. ليضطر السيد السيستاني للتدخل ثانية لمنعه من الولاية الثالثة عبر رسالة خطية جوابا على سؤال من مجلس الشورى في حزب الدعوة الإسلامية أولا، وعبر دعمه الانشقاق في حزب الدعوة ثانيا! ثم تدخلت إيران بشكل مباشر لإجبار المالكي على القبول بالأمر الواقع، بعد أن رفض القبول بذلك وهدد باللجوء الى المحكمة الاتحادية التي كان يسيطر عيها حينذاك!
«متلازمة تجديد الولاية» هذه أطاحت بكل السياقات الدستورية والقانونية المنطقية منها والأخلاقية
اليوم من الواضح أننا سنكون أمام إمكانية للتعامل مع هذه المتلازمة مرة أخرى، فثمة سعي محموم من رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني لولاية ثانية، ليس عبر عقد تحالفات زبائنية يتم فيها استخدام أدوات السلطة والمال العام لدعم الحلفاء والمرشحين ضمن تحالف «التنمية والإعمار» الذي شكله لهذا الغرض كرشوة للجمهور، بل من خلال عقد تحالفات مسبقة مع أطراف سنية وكردية لدعم الولاية الثانية.
«متلازمة تجديد الولاية» هذه أطاحت بكل السياقات الدستورية والقانونية المنطقية منها والأخلاقية، كل ذلك من أجل انتاج الزعيم البطل ولتحقيق هذا الهدف تسخر مؤسسات الدولة كلها مع حملة سياسية عمادها المرشحون الزبائنيون، وجيوش إلكترونية ضخمة عمها التمجيد بالمخلص الذي عليه أن يستمر في منصبه لان الولاية الثانية ليست مطلبا شخصيا للمخلص أو لحوارييه، قدر ما هي ضرورة لاستكمال مشروع بناء الدولة وحتى تستمر مسيرة «الإنجازات»!
وخطورة «متلازمة تجديد الولاية» أنها تعمد إلى تسويغ الإفراط في استخدام المال العام كأداة لرشوة الجمهور الزبائني، من خلال مشاريع «استعراضية» تنفذ لهذا الهدف، والإفراط غير العقلاني في الإنفاق العام وبالتالي الإفراط الدَين العام، أو عبر سياسة التعيينات الزبائنية، والمكرمات والدعم الحكومي، وعقد صفقات سياسية فاسدة على حساب الصالح العام!
ولكن أصحاب «متلازمة تجديد الولاية» والحالمين بها ينسون دائما أن منصب رئيس مجلس الوزراء في العراق لا تقرره قوتهم الذاتية والكاريزما الشخصية ولا النص الدستوري، ولا نتائج الانتخابات، ولا التحالفات السابقة أو اللاحقة للانتخابات، بل تقرره علاقات القوة المحلية (السيستاني إن قرر التدخل، والسلاح) والفاعلان الرئيسيان في العراق: إيران والولايات المتحدة الأمريكية؛ فإياد علاوي كان خيارا أمريكيا، ونوري المالكي لم يصل إلى المنصب عام 2006 لولا الفيتو الأمريكي/ السني/ الكردي على الولاية الثانية للجعفري، والمالكي في ولايته الثانية ما كان ليطالها لولا الموقف الأمريكية الإيراني الداعم لذلك، وحيدر العبادي ما كان له أن ينالها لولا فيتو السيد السيستاني على الولاية الثالثة للمالكي، وعادل عبد المهدي جاء بدعم القوى المحلية المهيمنة (السيد السيتساني وائتلاف الفتح والتيار الصدري) مع عدم وجود فيتو أمريكي أو إيراني، ومصطفى الكاظمي كان مرشح تسوية اتفق عليه الجميع، وأخيرا كان السوداني خيار الإطار التنسيقي بدعم إيراني، مع عدم وجود فيتو أمريكي!
لهذا، ووفق الوقائع الحالية، أمريكا وإيران ومحليا، يبدو من الصعب تماما، إن لم يكن من المستحيل، الحديث حتى اللحظة عن إمكانية وصول السيد محمد شياع السوداني إلى الولاية الثانية. فالولايات المتحدة لاتزال غير راضية على الرجل لفشله في تنفيذ ما وعدهم به، وإيران لم تقرر بشكل نهائي موقفها منه، وهي تنتظر تطورات ملف العقوبات الدولية، ومفاوضاتها بشأن الملف النووي والأسلحة البالستية. وليس ثمة مؤشرات على موقف السيد السيستاني النهائية تجاه هذا الموضوع، كما أن علاقات القوة المحلية في حالة ترقب وانتظار بعد القرارات الأمريكية ضد الميليشيات بشكل عام، وضد بقاء الحشد الشعبي ككيان مواز للدولة، لاسيما أن تصنيف خمس ميليشيات رئيسية إلى «منظمات إرهابية دولية» يمكن أن يتوسع ليشمل ميليشيات أخرى بينها بدر وعصائب أهل الحق وكتائب جند الإمام (تشكل هذه الميليشيات الثماني القوى الأساسية في الإطار التنسيقي الشيعي الذي يهمين عى مجلس النواب العراقي) وهو ما سيجعل مشاركتها مستحيلة في أي حكومة قادمة، وإلاّ تعرض العراق إلى عقوبات أمريكية قاسية.
لهذا لا يمكن لأحد أن يتوقع من سيكون رئيسا لمجلس الوزراء القادم في العراق إلا عند قراءة هذه الوقائع المواقف جميعها لحظة الترشيح!
كاتب عراقي