بغداد ـ «القدس العربي»: استذكر العراقيون، أمس الأربعاء، مرور الذكرى السنوية السادسة على انطلاق احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر في العاصمة الاتحادية بغداد وعموم مدن البلاد الأخرى، التي أسهمت في الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبد المهدي، وخلّفت مئات القتلى وآلاف الجرحى الذين سقطوا جراء القمّع المُفرط لقوات الأمن، وسط تجدّد الدعوات لكشف الجناة ومحاسبة المتورطين.
«المرصد العراقي لحقوق الإنسان» اعتبر أن ما حدث لم يكن «مجرد تظاهرات عابرة، بل هو انفجار غضب شعبي مكبوت منذ سنوات»، موضحا «عاطلون عن العمل، طلاب جامعات، آباء وأمهات، خرجوا بوجوه مكشوفة يطالبون بإصلاح بلدهم. كان شعارهم بسيطًا: (نريد وطنا). ومع ذلك، جاء الرد سريعاً ووحشياً. رصاص حي صوّب على صدور الشباب، قنابل دخانية اخترقت جماجم المتظاهرين، وقنابل صوتية مزقت الساحات. في أيام قليلة، تحولت ساحات التحرير والنجف وكربلاء والناصرية إلى مسارح موت جماعي».
ووفق المرصد فإن «أكثر من ستمئة متظاهر (قُتلوا) وأصيب الآلاف بجروح، بعضها ترك ندوباً لا تُشفى. كثيرون اختفوا قسراً، خطفوا من الشوارع أو من بيوتهم، ولم يظهر أثر لهم حتى اليوم. آباء وأمهات يعيشون على أمل واهٍ بأن يعود أبناؤهم، لكن الدولة لم تقدّم لهم سوى الصمت».
وأضاف: «لم يكن العنف مقتصراً على قوات الأمن النظامية، بل شاركت فيه فصائل مسلحة نافذة، نفذت اغتيالات ضد ناشطين بارزين. في كربلاء، سقط إيهاب الوزني غيلة برصاص مسلحين. في العمارة، اغتيل أمجد الدهامات. وفي بغداد والناصرية والبصرة، تكررت محاولات اغتيال لناشطين مثل لوديا ريمون وغيرها. كانت الرسالة واضحة: إسكات أي صوت يطالب بالحرية».
وحسب المرصد فإنه «رغم كل هذه الجرائم، بقيت أبواب العدالة مغلقة. الحكومات التي تعاقبت بعد تشرين، بدءًا من استقالة حكومة عادل عبد المهدي في نوفمبر 2019، أطلقت وعودًا بالتحقيق والمحاسبة. تشكلت لجان رسمية عديدة، لكن دون جدوى. لم يُقدَّم أي ضابط رفيع أو مسؤول سياسي إلى المحاكمة. الإفلات من العقاب أصبح هو القانون غير المكتوب».
واعتبر أن «ما جرى في تشرين لم يكن مجرد قمع محلي عابر، بل انتهاك صارخ للقانون الدولي. فالعراق صادق منذ عام 1971 على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يكفل الحق في الحياة، ويحظر التعذيب، ويضمن حرية التظاهر السلمي. كما أن الدستور العراقي نفسه، في المادة 38، يقر بحق المواطنين في التعبير والتجمع. لكن كل هذه النصوص تحولت إلى حبر على ورق أمام رصاص القناصة». وأوضح أنه «بعد مرور ست سنوات، ما زالت عائلات الضحايا تنتظر كلمة حق. يريدون أن يعرفوا من قتل أبناءهم، من أعطى الأوامر، ولماذا تُرك القتلة أحراراً. يريدون أن يشعروا أن دماء أبنائهم لم تذهب هدراً. لكن الدولة لم تقدّم لهم سوى الصمت والتجاهل، بينما تستمر الفصائل المسلحة في ممارسة نفوذها بلا محاسبة».
ورأى أن «العدالة ليست ترفاً ولا مطلباً سياسياً فقط، بل هي حاجة إنسانية وأخلاقية. دونها لن يهدأ جرح تشرين، ولن تتوقف دوامة العنف. فالإفلات من العقاب يعني أن الجرائم يمكن أن تتكرر، وأن دماء جديدة قد تُراق في أي لحظة».
وأكد أن «جبر الضرر لعائلات الضحايا هو الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة. هؤلاء لم يخسروا أحباءهم فقط، بل خسروا استقرار حياتهم كلها. كثير من الأطفال باتوا أيتاماً، كثير من الأمهات يعشن الحداد الأبدي، وكثير من الأسر تحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي عاجل».
عجز عن كشف المتورطين في قتل المئات… وعائلات الضحايا تنتظر
وأفاد أيضاً بأن «ما جرى في احتجاجات تشرين لم يكن مجرد تجاوزات فردية، بل سلسلة انتهاكات جسيمة تم ارتكابها بشكل منظم، ولم يُقابل ذلك بأي إجراءات جدية للمساءلة»، مؤكداً أن «الإفلات من العقاب لم يرسخ فقط شعور الضحايا وعوائلهم بالخذلان، بل بعث برسالة خطيرة مفادها أن استخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين يمكن أن يمر بلا محاسبة».
وشدّد المرصد على أن «الطريق نحو العدالة يبدأ من فتح تحقيقات مستقلة وشفافة، بإشراف قضائي حقيقي وضمانات دولية، تكشف الملابسات الكاملة لعمليات القتل والاختفاء والاغتيال التي استهدفت المتظاهرين والناشطين. ولا يمكن لهذه التحقيقات أن تكون شكلية أو سياسية الطابع، بل يجب أن تفضي إلى محاسبة فعلية لكل المتورطين، بغض النظر عن مناصبهم أو مواقعهم في أجهزة الدولة أو الجماعات المسلحة».
كما أكد أن «التعويضات التي قُدمت لعوائل بعض الشهداء لا تعني إنصافاً حقيقياً. التعويض العادل ينبغي أن يكون شاملاً، يشمل الرعاية الصحية والنفسية للمصابين والناجين، وإجراءات جادة لإعادة دمجهم في المجتمع، مع ضمان عدم تكرار ما حدث. فالتعويض لا يمكن أن يكون بديلاً من العدالة، بل مكملا لها».
وطبقاً للمرصد فإنه «من دون ضمان حرية التظاهر السلمي في المستقبل، ستبقى حقوق العراقيين مهددة»، لافتاً إلى أن «الاحتجاج هو وسيلة أساسية للتعبير عن الرأي، وكبحه أو التضييق عليه يعني انتهاكاً للدستور العراقي والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها العراق. لذلك يجب أن تتخذ السلطات إجراءات واضحة تحمي هذا الحق وتمنع أي استهداف جديد للمتظاهرين».
وعدّ إشراك المجتمع المدني في مراقبة الإصلاحات السياسية والتشريعية «ضرورة لا يمكن تجاهلها. فالاحتجاجات كانت صرخة شعبية ضد تهميش المواطن، وأي عملية إصلاح تستثني المجتمع المدني ستظل ناقصة وفاقدة للثقة»، موجهاً دعوة صريحة إلى الحكومة العراقية «من أجل تحقيق العدالة. فالعدالة ليست رفاهية، بل أداة أساسية لكسر حلقة الإفلات من العقاب وضمان عدم تكرار ما جرى».
أما «مركز النخيل للحقوق والحريات الصحافية»، فكشف عن اغتيال 30 صحافياً وناشطاً عراقياً إبان أحداث احتجاجات تشرين.
وشدد في بيان صحافي على «ضرورة أن تكون هذه الدماء درسًا للحكومات والقوى السياسية لصيانة حرية التعبير والمطالبة بالحقوق».
وذكّر في بيانه بـ«فشل الالتزام بأحد أبرز تعهدات البرنامج الحكومي بحسم التحقيقات في أحداث تشرين ومحاسبة الجناة، والتي انتهت بإصدار أمر في كانون الأول/ ديسمبر 2022 بتفعيل لجنة تقصي الحقائق المشكلة عام 2020، ثم تبعها توجيه في شباط/فبراير 2023 بتسريع اجراءات اللجنة، لكن الحديث عنها اختفى منذ ذلك الحين، رغم تعهد الحكومة بإعلان النتائج في مؤتمر علني أمام الإعلام، في أبرز مظاهر ترسيخ الإفلات من العقاب في العراق».
وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم، قد أفادت في تقرير أصدرته في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، بمقتل حوالي 500 متظاهر في الأسابيع القليلة الأولى فقط من احتجاجات تشرين على يد «قوات الأمن العراقية والجماعات المسلحة المدعومة من الدولة»، وفقا لـ «الأمم المتحدة».
وذكرت حينها أن العنف ضد المتظاهرين استمر «حتى بعد انتهاء الاحتجاجات، من خلال حملة اغتيال استهدفت نشطاء بارزين، كان يُنظر إلى معظمهم على أنهم أصوات مؤثرة في حركة الاحتجاج».
وحققت في 11 حالة لعراقيين تعرّضوا للعنف بسبب الاحتجاج والنشاط السياسي، قُتل خمسة منهم، بينهم امرأتان، وأصيب خمسة آخرون واختُطف أحدهم وما زال مفقودا.
ورفع الضحايا وأُسر القتلى أو المخفيين قضايا قانونية لدى الشرطة والسلطات القضائية، لكن بعد إبداء السلطات اهتماما أوليا، مثل جمع تفاصيل هذه القضايا، لم تستأنف الشكاوى القانونية ولم تتابع السلطات عمليا تحقيقاتها أو محاولات تحديد هوية المسؤولين ومحاسبتهم. في حينها، أشارت المنظمة الحقوقية إلى أنه «رغم عدم إحراز تقدم في التحقيقات والمساءلة القانونية، قدمت الحكومة العراقية تعويضات مالية إلى معظم عائلات القتلى. ووفقا للأمم المتحدة، تلقت معظم عائلات المتظاهرين القتلى تعويضات مالية من (مؤسسة الشهداء) العراقية، وهي مؤسسة حكومية».