الناصرة- “القدس العربي”:
يبارك مراقبون كثر في إسرائيل الخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل احتفالي وكأنه عمل ناجز، لكنهم متشككون حيال احتمالية تطبيقها لعدة أسباب، منها انحيازها للاحتلال، فيرشّون الماء البارد عليها بالتذكير بأن حركة حماس لم ترد بعد. وحذّر عدد غير قليل منهم من احتمال قيام بنيامين نتنياهو بمحاولة تعطيلها كما فعل في الماضي.
ويرى محلل الشؤون الشرق أوسطية في صحيفة “هآرتس” تسيفي بار إيل، أن خطة ترامب التي يفترض أن يبدأ تطبيقها خلال 72 ساعة من وقف إطلاق النار، لن تحدّد كيف سيبدو اليوم التالي في غزة بل هو الميدان. وضمن محاولة التحذير من إشاعة التفاؤل والأمل الكبيرين حيال هذه الخطة التي اعتبرها ترامب “تاريخية وغير مسبوقة منذ آلاف السنين”، يقول بار إيل إن “صقالات” خط ترامب الاتفاق تشبه الآن لافتة تنصب عادة في موقع بناء تبشّر الجمهور بـ”هنا يقام اتفاق بين إسرائيل وحماس”، تشمل خريطة هندسية للبناء الفاخر وإلى جانبها قائمة شركاء البناء ترد أسماؤهم بحروف صغيرة: المهندسون، المسؤولون عن شؤون الصرف الصحي والمواصلات والمكيفّات، كذلك هو الحال مع وصف حالة البناء.
وكما في اللافتات الخاصة بورشات البناء، فهناك ملاحظة هامشية في خطة ترامب تقول إن “الخطة تنتظر لترخيص بناء. وفي مثل الحالة المطروحة مصادقة إسرائيل وحماس ودول عربية والسلطة الفلسطينية والأمم المتحدة وبقية الجهات التي يفترض أن تشارك بتطبيقها. ويعتبر بار إيل أن خطة ترامب واعدة لكن من المرجح أن ترتطم بالواقع على الأرض.
الكرة بيد حماس
يرى المحلل السياسي في صحيفة “يديعوت أحرونوت” بن درور يميني في مقال بعنوان “الكرة بيد حماس” أن خطة ترامب ممتازة لإسرائيل، منوها إلى أن الرئيس الأمريكي مقتنع بأن الاتفاق ناجز. لكن يميني أيضا يبدي حذرا بالقول: “لكن ترامب صانع بشائر وهمية، فقد تحدث بهذا التفاؤل الكبير قبيل قمة ألاسكا مع بوتين في الشهر الماضي”.
وتحت عنوان “تاريخي لكن بشرط.. والشرط هو حماس” يقول زميله المحلل السياسي الآخر في الصحيفة ذاتها، نداف أيال، إن الفجوة بين الاتفاق المعلن باحتفالية وبين التطبيق، كبيرة. منبهّا إلى أن “دولة فلسطينية” كلمتان وردتا بوضوح في الخطة الأمريكية التي قبلتها إسرائيل، معتبرا ذلك أسبقية مهمة جدا تدلّل على أن حل الدولتين حيّ يرزق بالنسبة لترامب والمنطقة ونتنياهو أيضا.
وإلى جانب امتيازات إسرائيل في الخطة الأمريكية، يوضح المحلل السياسي في صحيفة “هآرتس” حاييم ليفنسون، أن واشنطن فرضت الخطة على كل الأطراف وأنهت مناورات نتنياهو، وفيها صحّح ترامب خطأه السابق: خطة تهجير الغزيين بعدما وقف نتنياهو منتشيا إلى جانبه في البيت الأبيض قبل ثمانية شهور، وهو يتحدث عن “ريفييرا في غزة”. ودعا إلى التنبّه إلى أن ترامب عاد للواقع، وتبنى خطة طرحت من قبل على الطاولة من قِبَل الولايات المتحدة ودول عربية في أكتوبر 2023.
وأضاف: “لم يتغير شيء سوى الدم المسفوح وقتل المخطوفين والأموال التي تبددت. نتنياهو سعى كثيرا لتعطيل الصفقة حتى جاء ترامب بالأمس وسحب البساط من تحت أقدامه. انتهت المراوغات. الحرب بحاجة إلى أن تنتهي. الأيام القادمة ستكون متعبة للأعصاب حتى يخرج دخان أبيض من الدوحة رغم أن قطر أبلغت ترامب بأن حماس وافقت مبدئيا على الخطة. حتى لو رفضت حماس، فإن مبادئ الخطة تطبق على الأرض بكل الأحوال عدا عودة الرهائن. السيطرة على المناطق المدنية داخل القطاع تسند إلى دول عربية. لا استيطان ولا تهجير والضمّ مات. دول عربية تسيطر على القطاع والأرضية لدولة فلسطينية تمّ تجهيزها. قطر اليوم قوية وثابتة أكثر من أي وقت مضى، واعتذار نتنياهو لها هو الضريبة الأولى التي ستجبيها من إسرائيل بعد هجومها المنفلت على الدوحة. سيبدأ بتطبيق الخطة وهي جزء من برنامج أوسع يعده ترامب للمنطقة”. كما يدعو ليفنسون للتنبه إلى تفريغ السجون الإسرائيلية من الأسرى الفلسطينيين، طبقا للخطة، وهي حبة مُرّة سيستصعب اليمين الصهيوني ابتلاعها”.
خطة طموحة
ويرى زميله المحلل المختص بالشؤون الدبلوماسية يونثان ليس، أن الخطة طموحة جدا لدرجة أن نتنياهو سيستطيع تعطيلها كما فعل في الماضي بعدة طرق. ويضيف: “السؤال إذا ما سيفعلها في سنة انتخابات أيضا؟”.
ويتقاطع معه محرر الشؤون السياسية في الصحيفة يوسي فرطر، الذي يقول إن نتنياهو قال “نعم” للخطة الأمريكية، لكنه تمنى القول “لا” ووافق على أمور اعتبرها سابقا خطا أحمر. ويرى أن كل بند من بنود الخطة “دراما بحد ذاته”، وأن قادة حماس سيستفيدون من “بوليصة التأمين” التي حازت عليها قطر بتعهد ترامب ونتنياهو بعدم تكرار انتهاك سيادتها.
ويقول محرر الشؤون الاقتصادية في الصحيفة نحاميا شطرسلر، إن إسرائيل لم تحقق هدفي الحرب رغم امتدادها عامين، ولم تقضِ على حماس التي لم ترفع راية بيضاء. ويضيف: “كانت لنتنياهو عدة فرص لوقف الحرب واستعادة المخطوفين لكنه فضل العناد بحثا عن نصر مطلق يمحو إخفاقاته وهذا أيضا لم يتحقق. حالة إسرائيل الاستراتيجية في العالم هي الأسوأ في مسيرتها بعدما تحولت لدولة مصابة بالجرب منبوذة، فيما يسعى نتنياهو لإيجاد الحل بإسبرطة جديدة. وفي حال قام نتنياهو علاوة على كل الجرائم بتعطيل الخطة الأمريكية سيموت الرهائن، وعائلاتهم ستلاحقه حتى يومه الأخير”.
وتدعو صحيفة “هآرتس” في افتتاحيتها ترامب لعدم السماح لنتنياهو بتعطيل الصفقة والانسحاب من موافقته عليها، وتقول إن “أبواب الجحيم التي افتتحت في السابع من أكتوبر ينبغي أن تغلق”.
خطة صبيانية.. إسرائيلية في جوهرها
يرى محلل السياسي في القناة 13 العبرية رافيف دروكر في مقال بصحيفة “هآرتس” أن الخطة ليست خطة بل ورقة صبيانية تتضمن رؤية مرجوة لكنها بعيدة عن التطبيق. ويدلل على زعمه بالقول إنها تشمل بندا يقول إن غزة ستصبح منطقة تجارية حرّة، وبندا آخر يتحدث عن الترميم الاقتصادي بقيادة دول نجحت ببناء “مدن عجيبة” كالرياض والدوحة وشرم الشيخ وأبو ظبي، وذلك من أجل بناء مدينة كهذه في غزة أيضا، مثلما أن هناك بندا يتحدث عن بدء مسيرة تأثير على الجمهور في غزة وإسرائيل تبرز امتيازات السلام.
ويضيف: “نعم إسرائيل أيضا تحتاج لمسيرة تنزع تطرفها”. ويتابع: “ماذا عن البنود الأكثر واقعية؟ هنا تتحوّل الخطة إلى غريبة، فهي لا تعرّف الخطوط التي تنسحب إليها إسرائيل في كل مرحلة، وبدون جدول زمني، ولم يُذكر متى تدخل القوات الدولية بمبادرة أمريكية وعربية ولم يذكر من سيرسل جنودا وما هي صلاحياتهم. كذلك بند نزع سلاح حماس الهجومي: لا تشرح الخطة كيف سيتم ذلك ومن سيراقب ومن سيدخل الأنفاق. من المفترض أن تتلقى السلطة الفلسطينية موطأ قدم في إدارة غزة لكن بعد إجراء إصلاحات داخلها. أي إصلاحات؟ من سيصادق عليها؟ هذه ليست ورقة عمل صبياينة فحسب، بل دجل. فالحديث يدور عن وثيقة مناصرة لإسرائيل، بصمات رون دريمر واضحة فيها، وهي محاكاة معينة لخطة صفقة القرن. فتنازلات إسرائيل علنية ولفظية فقط، وستحصل مستقبلا دون جدول زمني مقابل مردود تحصل عليه فورا. في صفقة القرن جرى الحديث عن ضم، وهذه المرة عن إفراج كامل عن الرهائن. في المقابل، إقامة دولة فلسطينية ودور السلطة الفلسطينية والانسحاب الإسرائيلي كل ذلك يحدث في وقت ما مستقبلا. بكلمات أخرى، كل الرسائل حول “الضغط الثقيل” الذي يمارسه ترامب على نتنياهو كي يبقبل الخطة ليست سوى ثرثرة فارغة تهدف على ما يبدو لإنتاج شعور بأن هناك خطة متوازنة”.
في رؤيته المتشائمة يخلص دروكر للقول إن لدى ترامب ورجاله قوة كبيرة لممارسة الضغط على نتنياهو وفرض تفاهمات عليه. للأسف دون معرفة، وبدون تجربة وإبداع لدى إدارة أمريكية جدية، سيكون من الصعب ترجمة هذه القوة إلى واقع في الميدان”.